نحل جسدك وفقد نضارته ومقومات وجوده، تصطدمين بالجدران التي لم تتغير ألوانها، لا تعلمين أن هذا هو قدرك، وأن ما حصل لا راد له، فقدت شيئاً هاماً في تكوينك كأنثى، تحولت من امرأة تثير الغرائز وتلهبها إلى أنثى تثير الشفقة، تحرك شعور الغربة، تساءلت كيف تملئين فراغك، وكأنك تعيشين حياة طبيعية؟ اهتديت إلى الكتابة والرسم والموسيقا، القلم موجود والعود معلق في غرفتك يستنهض همتك، حملته، تعزفين عليه مرة بعد مرة، تقتلين أحزانك، تتعلمين من أخطائك فربما تستطيع أناملك أن تفعل ما لم تفعله في مواقف أخرى!
صرت رهينة طقسك، في بعض الليالي تصرخين، تهرع زوجة أخيك توقظك من نومك، تبسمل وتتعوذ من الشيطان وكأس الماء بيدها، تبدي استغرابها وتناولك إياه، ثم تربت على كتفيك، تطالبك أن تشربي، أن تحدثيها عن مناماتك وكوابيسك، تتخلصين من ذلك بادعائك النسيان، كل ما تذكرينه مناظر لضباع وحيوانات مفترسة لم تريها سابقاً، اقترحت عليك أن تخرجي من عزلتك، أن تعرضك على طبيب، أن تصحبك إلى الحديقة، إلى سوق الحميدية، إلى السينما أو المسرح، إلى قاسيون وتشرفي على دمشق، وقفت حائرة وعاجزة، لكن أمام إصرارك على الوحدة والخوف والأحلام، وعدم تناولك لما يكفي من الطعام، لم تعد تصر على أفكارها، تساءلتِ في لحظة ضعف إن كان من المفيد الاعتراف بآلامك؟ استغربت كيف تسلل هذا الهاجس وتداولته مع ذاتك، لن تسمحي لأي تعبير يمكن أن يفضح سوداوية وضعك، ما بالك تفكرين بالاعتراف؟ الأسباب التي تطرحينها معقولة ومرفوضة، تضعين آلامك في عنق غيرك وتقعدين، لم تضعي في حسبانك أن آلاماً جديدة ستنشأ، وأن آلامك تخصك ولا علاقة للآخرين بها، تتحملينها دون ضجر أو تأفف، أنت في الميدان وحيدة وعليك تحمل ذلك، أن تبقي في فوضى موجعة، أفضل من أن يدمرك ضوء النهار الذي احتكره الصلصال، عدت إلى هلوساتك وأصررت على البقاء في الغرفة، والتواصل مع أخيك وزوجته، رأسك ثقيل مليء بالدخان والهواء الحار الجاف، الذين حولك يتهامسون، أخوك لم يتجرأ على مفاتحتك، نصحته زوجته أن يدعك لصمتك، في هذه الأيام الصمت ليس تهمة وإلا فكل الناس سيساقون للتحقيق.