لقد غيرت نظام حياتك، تَدرسين خمس عشرة ساعة تقضينها جالسة خلف الطاولة، تلتهمين كتبك الجامعية وغير الجامعية، في البداية بدا موقفك مستساغاً، شجعوك على الدراسة، تريدين أن تنجحي وتتفوقي، حجزت نفسك في الغرفة وصارت لك طقوس معروفة، زيارة فرات تصلك بالعالم، تجددين بوجودها حياتك، تنقل لك نشرة أخبار عن دمشق، تستمتعين، تسألين، فإذا بأسئلتك واستفساراتك غريبة كأسئلة السجناء، لم تخرجي سوى مرات برفقتها ولأسباب لم تستطيعي تجاوزها.
اليوم يبدو كل شيء غريباً، تبعثرين أوراقك، ماضيك ومستقبلك، تبعثرين حياتك، تعيدين ما تقرئينه مرات، لأول مرة تقرئين كل شيء قبل الفحص، تدققين في كل كلمة. أنت على يقين من النجاح، في كل زيارة تجلسين ساعتين أو أكثر مع فرات تسمعين منها كل شيء عن المدرسة، عن حامد، عن الناس الآخرين والغوطة والعاصمة، بعد تقديمك للامتحان قررت أن تستمري بطقوسك:
- أليست هذه حماقة يا هلا؟
- بل الحماقة أن أخرج وأجده أمامي في الشارع، عند المنعطف، في السوق، في أي مكان، ماذا أفعل وأنا الضعيفة أمام الوحوش؟ يستطيع فعل أي شيء دون رادع، لا شيء سوى الصراخ الذي لن يجدي، وقد يضعني في موقف صعب، أنا في غنى عنه.
- يمكنك أن تخرجي برفقتي.
- ماذا ستفعلين إن شدك وشدني إلى سيارته؟ نصير ضحايا، لا يا صديقتي الآلام تليق بي ولم يعد لي سواها!
عيناك تفيضان فرحاً، المعلمات يتحدثن عن جمالهما، ينظرن في بؤبؤهما فلا يرين سوى السعادة والسهول الخضر، أما اليوم فأنت لا تستطيعين أن تحدقي بهن، شفتاك المضمختان بالعطر وبلون الشفق مشققتان، لا يلفظان إلا الآهات، كل شيء فيك ذاو، جسدك الذي عشق الدروب والمساءات، لم يعد قادراً على الصمود في مهب الريح، الزوابع تتصاعد وتتصارع في رأسك، تدخل إلى الشرايين والأوردة الدقيقة، تغلفها بالغبار، تنغلق مجاري تفكيرك، فلا يبدو أمامك سوى الموت البطيء.
ومضات من الشوق واللهفة إلى صغيراتك التلميذات، اللواتي يأتين مزقزقات، وعيونهن تتفحص جمالك، يصافحنك، تأتيك التساؤلات عن الليالي التي هدرتها، عن الأشعة التي فقدتها، أهو جسدك الذي سقط أم روحك هوت من عليائها؟ أم أن المجتمع هو الذي سقط؟ بحثت عن بختك، عن برجك، لم تجدي شيئاً مما حصل، اقتنعت أن الأبراج كذبة أو لعبة لم تستوعب الزمن.