أسمعتها ما تاقت لسماعه... بدأت تفكر، لم يعد جسدها هاجسها، قلبها يدق، يقرع طبوله للمرة الأولى في حياتها، أيمكنها أن تحب؟ الحب هو الإخلاص، أقادرة عليه؟ أقادرة أن تدفن الماضي دفعة واحدة وتنطلق؟ عدة عوامل تتفاعل في داخلها وهي ترى نفسها كالضائعة، منذ أيام لم تجلس إلى جانب أحد، ولم تلبِّ رغبة أي زبون، تتملص من الطلبات، استدعاها المعلم وسألها عن حالتها، أخبرته أنها كرهت الدور الذي تلعبه، كرهت الذين يشترونها، وأنها لن تكون حرة ما دامت تعمل في الملهى وتعرض جسدها للجميع، تساءلت إن كان ما تفكر به ردة فعل أم صحوة ضمير وعواطف؟ تتوق عواطفها ونزعتها إلى التحرر، إلى الحياة، أن تخرج إلى الشارع، عليها أن تجرب، أمحرم عليها المشي في الشوارع أو الجلوس في الحديقة؟!
لم تتصور أن يوماً سيأتي وتراجع ذاتها، حياتها بكل ما فيها، حنينها إلى بلدتها وطفولتها، وإلى إخوتها ووالديها، تقبل أيديهم إذا سامحوها، تذرف الدموع، الحزن يستوطنها، تخبرهم بأنها تابت، الله يقبل التوبة، هم لا يقبلونها! أمحرم على الإنسان أن يغسل ملابسه إذا اتسخت؟ أن يغسل قلبه إذا بدأ يضخ الدم الأسود، هل سيتدافعون إلى حضنها؟ أهل البلدة هل يسامحونها؟ إذا ظلوا مصرين على رأيهم بماذا تدافع؟ أيقبلون أن تبني لهم مستوصفاً؟ كل ذلك فكرت به، لكن الأهم أن تعزم أمورها، أخبرت صاحب الملهى باعتزالها الرقص، لم يعلق، صدمته كلماتها، جمد مكانه، يحدق إلى وجهها الخالي من المساحيق، وإلى ملابسها التي غطت مفاتن أنوثتها، يمازحها، تصده، تأكد من جدية قولها، فاقترح أن تأخذ إجازة لمدة أسبوع أو أسبوعين، ثم تقرر، أجابته إنها ليست بحاجة إلى أية إجازة، هي منذ اللحظة إنسانة أخرى، والملهى ليس بحاجة إلى واحدة لا تسمح لزبائنها بلمسها، خرجت من مكتبه، فتحت ذراعيها للهواء، للشوارع، سارت على الرصيف، لا أحد يناديها أو يضايقها، أحسَّت أن حياتها بدأت من جديد، اتجهت إلى الحديقة حيث تنتظرها، فتشت عنك حتى وجدتك، اتجهت إليك، حيتك وجلست إلى جانبك، العصافير لا تكف عن الطيران والزقزقة، وجهها يفيض أنساً، اللون الأزرق ينساب إلى قلبيكما متوحداً بما تحملانه من مودة، قبل أن تتحدث وتلفظ اسمها طلبت أن تناديها باسمها الحقيقي، تغرد الابتسامة على شفتيها وهي تعلن عن ذلك بقولها: