تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جلست إلى جانبك وناولتك كأساً، نظرت إلى عينيك ورسمت على الأفق برجك، النجوم تتراقص في السماء مغتبطة، ونجمها لا يبارحك، تشق طريقها إلى أوردتك، نظرت إلى الأفق، السماء توغل في الارتفاع، تقترب أكثر من النافذة وتسدل الستارة، الخريف يكور أمتعته ويحمل غماماته ويهاجر، لا يترك ورقة على جسدها، تبرعم شجرتها وتزهر في حين بدأت الثمار بالتشكل.

أنت أمام امرأة مكتملة الأنوثة، تفيض نضارة وسحراً، تغريك المرة تلو الأخرى بالخمر، بدت في عنفوان نشوتها قمراً يسبح في بحر اللذة، ترقص، تغني، تدخل باباً من أبواب الليل، يتحول الكون إلى أقمار من فضة وراقصات ومغنيات وربيع لم تألفه، تطعمك شيئاً من الحنطة، تتذوق طعم أرغفتها، استفاقت الرغائب، لا غرابة إن تمايلت السنبلة قبل الحصاد، شعرتما أن الغلس قد ولى، وأن الضياء يغمر المدينة، حالة الوجد أنستكما الزمن.

أحسست فجأة أنك تبتعد عن مهمتك التي تطوعت لأجلها، بلعت ريقك وطردت الهواجس مع ارتواء الجسد من الخمر، استطاعت أن تذيب الجليد، أن تدفن ترددك، أن تطرد أحزانك، نسيتَ رأيك بالمرأة الراقصة التي تؤم الملاهي وبئرها الملوثة، من بداية السهرة وأنت طفلها المدلل، سارت معك خطوة خطوة، خلصتك من أنانيتك ومن عنادك، تدرك مدى نجاحها، هي تعرف أنك غير قادر على المواجهة، منذ اللقاء الأول في بيت الصلصال هربتَ وتركتها تعاني الوحدة، لم تقتنع بوجهة نظرك، وهي لم تقنعك بمسيرتها، اليوم حاولت مقاومة الإغراء، تراقبك كيف تدقق النظر في تفاصيل أنوثتها، منذ دخولك راهنت على قدرتها، تحدثتما طويلاً، قرأتَ الجانب الإنساني فيها، تتوغل إلى أحشائك كلما توغل الليل في الخارج، جئت إليها فرسمت في قلبها إشارة النصر، لقد أصبحت إنسانة أخرى، هل تسجل الانتصار لصالح الروح، أو لانتصاراتك على ذاتك؟ أردت أن تشرب مياهاً نظيفة معقمة، صحيح أنك انتشيت، لكنك لم تتخل عن أفكارك، بل إنك الآن أكثر تمسكاً بها، قرأتْ ذلك في عينيك، وفي حديثك ومداعباتك، في الرسائل التي تبثها روحك، شعرت أنها تتهجاك، تفك بعض الطلاسم.

روايات · الصفحة ١٠٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٣٩