تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لمحت بشيء من الفطنة إلى عدم مجيئها، وإلى انشغالها بالرسم طوال الأسبوع الماضي، لم يعلق، فضل أن يبقي الصندوق مقفلاً، ما فائدة ذلك وتربيتها تحتم عليها الاهتمام بالشكل، الذي يدفع الشباب إلى المغامرة؟ إنها الأنثى التي يصعب أن تغيّر طباعها، أمها علمتها أبجدية المرأة، إذ يعود نضجها إلى التعليقات، وإلى تسمية الأشياء بأسمائها الشعبية، والحرص الزائد أن تعرف مفعول كل حركة ولمسة وفعل وقول يؤدي إلى الجنس، يشطح خيالها في تصور الأمور، تتمنى أن تجرب، وقد كادت تقع في فخ أبي سبحة في الأيام الأولى لخطوبتها، لولا حكمة الله ودخول أمها في اللحظة المناسبة إلى غرفتها.

ولأهمية الشكل في حياة فرات، قرر أن يكون لقاؤهما في مكان عال كشموخ جسدها، أوقف سيارة وطلب إلى السائق التوجه إلى الهامة، حيث التلال والهضاب، توجه السائق إلى شارع بيروت المسكون بالخضرة والجمال والتاريخ، ومنه إلى الربوة التي تضع القادمين إليها في جو الريف والمتنزهات، يستمر الطريق حانياً جسده، عن اليمين تلال بكر ومنخفضات، إلى اليسار مرتفعات شاهقة تتخللها بعض الوهاد، وما بين اليمين واليسار واد عريض يمر فيه الطريق ملتوياً ومحاذياً التلال تارة ومبتعداً عنها تارة أخرى، في محاولة جذب وعناق لا مثيل لهما، تتدرج الأرض بالارتفاع بعد الربوة، تعلو شيئاً فشيئاً حتى قدسيا، حيث الطبيعة تعبير عن الفوضى التي شكلتها خلال ملايين السنين، تلال تعقبها تلال حتى الصبورة، ما يزال السائق على بعد أمتار من الربوة، اقترب من دمر التي تستوطن الوهاد وتتسلق التلال، يستمر الطريق محاذياً بردى، الطبيعة أليفة ووادعة حتى بلدة الهامة، قبل الوصول إليها تنتشر المطاعم والمقاهي والمقاصف، بردى يرافقهما. ينحني ويتلوى باحثاً عن الأراضي التي يمكنه السير فيها دون عناء، فقد أدرك منذ ولادته أنه لن يصل إلى السماء، وأن مكانه ليس فوق التلال بل عند أقدامها العارية، رضي أن يشق طريقه في الانهدام تاركاً تلك الطبيعة الساحرة لنمو الأشجار والنباتات الشوكية، يتمايل الحور الذي تصل جذوره إلى الماء، بينما تمتد فروعه في الأفق تغازل النسيمات.

روايات · الصفحة ١٠١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠١٧