تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بدا عليها القلق، شجرة تعرت من أوراقها، روحها محاصرة بالرياح والصقيع، بالصحراء التي تجتاحها، تلملم أوراق الخريف المتناثرة، ناسية أن الشجرة التي لا تصمد لا تنفع لشيء، الرياح هزتها، وعندما لم تجد عودها صلباً كسرته، شعرت بالإهانة فعلقت بتعبير دارج: "حاج بقى!"

عند هذا الحد وعند استخدامها تعبيرها الشامي يكون الكيل قد طفح، ولن تسمح بالمزيد من التعليق، العصبية التي تلفظت بها لا تعطيه أية فرصة للتمادي، ترى في تعليقاته وابتسامته تعرية لشخصيتها، سكت على مضض، كان بوده أن يحدثها عن استشهاد هذا الكاتب، ويدعوها لحضور ندوة بمناسبة الذكرى الحادية والخمسين لميلاده في شهر تموز القادم، نزلا من السيارة ودعته، ومشت أمامه مسرعة، نظر إلى تفاصيل جسدها وإلى قدها الممشوق، تأكد أنها تمتلك خلفية ثقافية وفنية! الأنوثة تطفح من وجهها وعينيها وقوامها المغناج، محاطة بندى الصباح الهش، الذي أخذ بالتبخر، إيذاناً بانهزام تلك الطبقة المغلفة لضوء الصباح.

صمت بارد وثرثرة، يجري خياله في عالم رحب من الجمال والفن، لكن يبدو أن جدلية الحياة تفرض عدم اجتماع الجمال والأدب في أنثى، لن يشطح خياله أكثر ويردد اتهامات سمعها واستنكرها. مساء لم تأت على الموعد، في العادة تحضر قبل الموعد بدقائق، وإذا تأخرت لا تتأخر أكثر من خمس دقائق، انتظر ثلث ساعة، عاد تلفه الأحزان، أتكون اتخذت موقفاً يعيد التوازن لشخصيتها؟ بناؤها الشامخ المغطى بالمساحيق يرتدي ثوب الحضارة، كمدينة مقفلة لا أحد يعلم ما يجري داخل أسوارها، مدينة عصية لكنها تسلم مفاتيحها للأقوياء، عظيمة من الخارج، خاوية من الداخل، هل فرات قرطبة جديدة تخاصم أهلها ففتحوا طرقاً عريضة تفصل بين الأخوة الألداء؟ هذه الطرق تسلل الأعداء منها.

روايات · الصفحة ١٠١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠١٥