تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله الجبار يا خيار

ماكول الستات يا فريز

خدود الصبايا يا تفاح

أصابيع البوبو الخيار

الله الدايم الله الدايم

-18-

التقيا في الميكروباص الذي ينقلهما من ملعب العباسيين إلى باب المصلى، حيث يفترقان كل إلى عمله، يحمل بيده مغلفاً تناولته، وأفسحت له مجالاً فجلس، شدها المغلف، نظرت إليه وسألته عن محتوياته، أجاب:

- إنه موضوع عن غسان كنفاني!

برزت علائم الدهشة على وجهها، وكأنها تسمع هذا الاسم للمرة الأولى، أمر غريب إذا صدقت ظنونه، حدق بوجهها، زمت شفتها وقالت: ما بك؟

سألها: ألم تسمعي بهذا الاسم؟

- أي اسم؟

- غسان كنفاني!

- في الواقع لم أقرأه جيداً، حتى روايته التي درسناها، أكاد لا أتذكرها.

غادرت الشموس داخله ومات الحلم، ابتسم ابتسامة صفراوية، صار من المألوف أن تلمس غربة الثقافة، بات أمراً عادياً أنّ الذين يحضرون الأنشطة الثقافية يعدون على الأصابع، وحاضري الأغنية الهابطة يعدون بالآلاف والملايين، وحاضري مباراة رياضية لمرة واحدة يتجاوزون من يحضرون الأمسيات الثقافية في محافظة هامة على مدار أعوام، أعاد قراءة الفاتحة للمرة العشرين.

الغوطة عظماؤها جامعو أموال، الغوطة هزت ثقافتها وشخصيتها وجعلتها أمية، ليس في الثقافة، بل في كل شيء، هل يعقل أن تقبل شريك حياتها عن طريق الصورة أو الشيخ و الاستخارة، والأشياء التي تصف أي خلاف في الأسرة أو اختيار الشريك بالقسمة والنصيب؟ ألم تتواطأ مع ذاتها حين لم ترفض الشاب جميل الوجه صاحب السبحة، جذبها شكله، وظنت أنه من الداخل صورة تكمل الشكل الخارجي، لكن ما تبين لها أن الحياة مدرسة أخرى ليست ابتدائية ولا إعدادية، مدرسة من نوع مختلف، قضت شهوراً تصارع ذاتها، شهوراً قضتها في العذاب، وفي الشكوى والتوجع، النار تجري في عروقها، تضخ دموعاً من بخار، دموعاً تحرق الجفنين والوجنتين، تعانق جيدها، تستعر النيران في صدرها، تحس بتراقصها على ضوء المصباح، تدعها تنحدر لتغسل جسدها وترمم بقايا أحلامها، تندب حظها، تلوم نفسها، لماذا لم تقل لا؟ طبيعة الغوطة فرضت عليها الصمت، فرضت عليها أن تكون خرساء، تشعل الخراب في عروقها وفي روحها، النساء حولها لا يتحدثن إلا عن اللباس والأكل و«الخرجية»، وإذا تحدثن عن الثقافة فيقصدن الجنس، أيعذرها لأنها لا تعرف غسان كنفاني؟ فوضى الغوطة وتضادها مع الثقافة الحقيقية جعلها تنسى أنها درست سنة كاملة في الجامعة مقابل جامع الفردوس في ساحة التحرير.

روايات · الصفحة ١٠١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠١٤