أنت مسرور، صار لك بيت وسط الغابة، لم يعد يهمك حاضرها ومستقبلها، تنظر إلى أكوام الخشب والإسمنت التي تعلو يوماً بعد يوم، كنت تظن أن الآخرين لن يفعلوا مثل ما فعلت، ستكون الوحيد الذي يتنعم بمنظر الغوطة وخيراتها، الوحيد الذي سيبني بيتاً تلفه الأشجار من كل جانب، تغرد الطيور في جنباته وتنيره الأشعة، تصورت أن بيتك هو الجنة، (فيلا) بكل ما تعنيه هذه الكلمة.
توافد آخرون مثلك، قطعوا الأشجار، عيناك تذرفان الدموع، كتل الإسمنت تحيط بك، لم يتركوا لك سوى ممر ضيق مترين أو ثلاثة، صار عليك أن تمد الأسيقة والماء إلى بيتك، وأن تحضر ساعة كهرباء، كل الطلبات بحاجة إلى موافقة البلدية، وهي لا توافق إلا بشروط حفظتها وتقيدت بها، اليوم تدعي أنك أحد الذين يناصرون الشجرة، أحد المدافعين عن الغوطة، كثيرون صدقوك، لكنك لم تصدق نفسك.
جيرانك كالثوب المرقع، من كل محافظة رقعة، من أقصى شمال القطر إلى أقصى جنوبه، جاؤوا إلى دمشق، المدينة غالية السكن، تورطوا في المجيء وهم غير قادرين على التخلص من سحر الشام والعودة إلى محافظاتهم، أغرتهم وهم لم يستقروا بعد، فكيف إذا عرفوا دمشق على حقيقتها؟ جاؤوا إلى المناطق الزراعية، مثلك قطعوا الأشجار، أنت وهم جزء من حارة لا تمديدات نظامية ولا طرق معبدة، صار عليكم أن تطالبوا بتمديدات نظامية، ورصف للطرق وتزفيتها، أوفدتك الحارة مندوباً عنها، قابلت رئيس البلدية الذي حصل على مبلغ من المحافظة لتحسين الخدمات في مناطق السكن العشوائي، بدأ يفاوضك، يحاول إقناعك بتزفيت الطرق من الحصة التي صارت بين يديه، علمت أن له مصلحة، يريد إيصال الزفت إلى أرض يهمه أمرها، صاح بوجهك قائلاً:
- لنبدأ بالتزفيت!
- والتمديدات الصحية؟
بفطنته ذكرك أن ما تفعله البلديات تزفت أولاً، وإذا احتاج الشارع إلى تمديدات يُحفر، لا شيء مقدس في العمل، وهكذا تظل الورشات في عمل دائم، وهي مساهمة متواضعة من البلديات في القضاء على البطالة، تواطأت معه ووافقت خوفك أن لا يطال الحارة شيء، بعد أيام مد العمال طبقة رقيقة من الزفت غيرت مدخل الحارة وطرقها، وهكذا بدت معروفة آمتها الطنابر والباعة الجوالين الذين وجدوا أنفسهم وسط حارة شعبية، حنوا إلى أيام زمان، وبدؤوا ينادون على الخضراوات والفواكه، وفي ظنهم أن الماضي قد عاد شاباً:
لا تدور على الحلوة ليكا
شلة حرير يا فوصولياء
نهود الصبايا يا رمان
ابن الزنا يا طرخون يزرعوك في دوما تطلع بحلبون