أبو إبراهيم لطيف المعشر، يزورك ليسمع الجديد وليحدثك بما يسمعه من الآخرين، حدثك عن امرأة حامل جنينها يتكلم وهو في بطنها، ذهب الناس للتأكد مما سمعوه، سألته:
- وأنت ألم تذهب؟
- سأذهب وأحدثك بما أسمع، هل ستصدقني؟
- أصدقك، لكنني أفسرها بطريقتي.
- أنت تنفي قدرة الله على عمل المعجزات!
- يا أبا إبراهيم عصر المعجزات انتهى، اذهب وتأكد من مصدر الصوت وأخبرني.
- يا أستاذ حامد لن تصدق ولو كانت حقيقة! ماذا تقول في التيس الحلوب الذي كتبت عنه الصحافة؟
- هذا أمر سخيف!
- ما دمت غير مصدق، لن أحدثك عن البقرة التي ولدت حملاً.
- أنت فلاح، هل تصادف ولو مرة أن ولدت بقرة حملاً أو العكس؟!
استلمتُ الأرض من أبي إبراهيم في الموعد المحدد بلا أشجار ولا ماء، الساقية التي تمر من هناك طمرتها، بدأت تحفر الأساسات، تخطط مكان الغرف والمنافع، جعلت تجاه البيت إلى الجنوب، وأحضرت الإسمنت والحجارة والبلوك، تعمل من الصباح حتى المساء، صرت مسؤولاً عن عمال يصبون الأساسات ويبنون الجدران، لم يمض حزيران إلا واكتمل البناء على الهيكل، ولم يبق سوى صب السقف، في يوم الصب ودون إنذار مسبق جاؤوك مدججين بالمعاول والمهدات، سألوك عن رخصة البناء، ذكروك بمنع البناء في الأرض الزراعية، قبل أن ينتشر العمال ويفعلوا فعلتهم، مددت يدك، عرفت كم عليك أن تدفع وإلا فالبناء سيسوى بالأرض، المسؤول ابن حلال، أعطاهم أوامره بالعودة، أداروا ظهورهم، فتابع العمال الصب فرحين.
الغوطة تصرخ في وجهك ووجوههم، تبكي حظها العاثر، تندب حاضرها، تغتصب مرتين! تعود لأمجادها، لذكرياتها، للوجوه الشامخة التي احتمت بأشجارها، للزنود التي قاتلت الفرنسيين، للأشجار التي شهدت الاستقلال، والأشجار التي شهدت الحكم الوطني، لكن أين هذه الأشجار الضخمة؟ الجواب معروف لقد قطعت، الغابة تتراجع، يوماً بعد يوم تنسى ماضيها، تنسى الطيور الرائعة التي تحولها إلى سمفونية، تسافر العصافير، يحل طائر البوم، ينعق في أعلى الأشجار اليابسة وأنت راض، تُدرس طلابك ضرورة المحافظة على الشجرة، تحتفل في آخر خميس من كانون الأول، تذهب وتلاميذك لتزرعوا شتلات، هذه الشتلات ستنتظر أجيالاً، تكبر خلالها وتنتظر أن يأتي واحد مثلك يدرس الأخلاق والمحافظة على الشجرة، بينما بالفأس الذي زرعت فيه سيقتطع عشرات الأشجار!