الكلاب تنبح معلنة اكتشافها لمتغيرات ضمن منطقة حراستها، ثمة من ينام في بيت غير مكتمل البناء. تشعر أنك محاصر. تهم بالخروج والدوران حول البيت. تقترب الكلاب وتبتعد، تزيد من نباحها، تضطر إلى العودة إلى مكانك والتظاهر بالنوم، هذا أنت يا حامد تستغل العطلة الصيفية، مصمم على إنهاء البيت مع انتهائها، تحرس مواد البناء ليلاً، وتعمل في النهار لتوفر أجر عاملين، في أيام سكنك الأولى قرعوا بابك لترافقهم إلى صلاة الصبح، أخبرتهم أنك تصلي في البيت، مرت فترة ولم تدخل الجامع ولو على سبيل المجاملة، تأكدوا أنك لا تصلي، فلم يعودوا إلى قرع بابك، نظروا إليك بعين الريبة والملامة، عاتبوا أبا إبراهيم الذي باعك، الحارة ليست بحاجة إلى أناس لا يصلون ولا يعرفون الله.
أهل الحارة يصلون صلاة الصبح والعشاء وكل الصلوات، صباحاً يتباطؤون في الخروج من بيوتهم، يرون أن الوقت ما زال مبكراً، العتمة تملأ الأفق والنهار لم يطلع بعد، يغطون بالنوم وعندما يستيقظون، يستغفرون ربهم ويتضرعون إليه ليمحو ذنوبهم، بعضهم يتجاهل النداءات المتكررة من مكبرات الصوت، يرون في دفء أجساد نسائهم، ما ينسيهم كل النداءات والذهاب إلى الجامع، أبو إبراهيم صاحب الصوت الجميل يغني في الحقل، الله وهبه حنجرة ناعمة وصوتاً دافئاً، عند الصلاة يهم إلى المسجد، يصعد إلى المئذنة، يؤدي بعمله فرضين أحدهما إكراماً لله والآخر إكراماً لدنياه، يؤذن بصوت حنون وعيناه لا تغفلان عن الحارة، امرأته لم تر دمشق إلا مرات، كل مرة تذهب فيها إلى العاصمة، تعود ورأسها يؤلمها، أما الزيارات الخاصة فإلى أهلها الذين يسكنون قريباً منها، أحذية العرس ما زالت على حالها، خاصة القبقاب المزين الذي جازف واشتراه بليرتين، تحتفظ به في صندوق عرسها المصدف، معظم الجهاز ما زال على حاله في الخزانة المصدفة، تخجل من الآخرين، لا تحادثهم، أما هو فعلى نقيضها، يُحدث نساء الحارة، يستمتع بكلامهن ولهجاتهن الناعمة، رأته مرة يمازحهن، لم تحتمل، هربت إلى البيت وظلت لا تحادثه أسبوعاً، لا تسمح له أن يقترب منها، تهدده بالصياح ومناداة أولادها، عرف أنه في ورطة، لا يخلصه إلا صوته الجميل، انتهز فرصة غياب الأولاد في مدارسهم، وغنى أغاني وديع الصافي وبعض المواويل، أطربها وتمايلت غنجاً وطرباً، رقَّ قلبها، نادته بحنان وأسمعته ما لم يحلم بسماعه، تساءل مندهشاً: «من أين لها بالتعابير الحلوة؟»