تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- ما بك يا قاسم، خاف الله أنا مثل أمك!

- أنا أحبك يا سناء.

قربت يدك المرتجفة من وسطها، أعادت يدك إلى مكانها مرات، إلا أنك تجرأت وجذبتها، ضممتها وقبلتها، رميتها أرضاً، حاولت نزع ملابسها، لم تمكنك، هبشت بأظافرها وجهك ورقبتك، العرق يتصبب منها وهي تقاوم، ابتعدت واستطاعت أن تفلت من يدك، نظرت إلى البعيد وقالت: "اهرب جاء والدك."

جمعت حاجياتك ونقودك القليلة وخرجت، تساءلت بينك وبين ذاتك عن جنونك، عما فعلته، القرية باتت محرمة عليك، وصلت إلى الشارع العام، انتظرت قدوم أول سيارة لتنقلك بعيداً عن أبيك وعن بيتك، وقد لا تستطيع العودة ثانية إلى قريتك طوال عمرك.

-17-

الغوطة أنثى تحاصرك، يسري حبها في صدرك، تعقد صداقات مع عالمها الطفولي، شعرت أنها المكان الآمن لروحك، مددت الجسور بينك وبينها، تزور خالك، تشتهي التوت والرمان والعنب، تمشي في الدروب الترابية الضيقة، تفرح للثمار الدانية، تغريك نباتاتها وزهورها، تشع في صدرك فرحاً وشموساً تتطاول، ورود روحك تبث أريجها، الروائح الذكية تلفك، يعبق عطرها في صدرك، كل شجرة معلقة بنجمة، وكل نجمة تضيء مدناً، وكما المدن عديدة، فالنجوم أكثر، تخطئ إن حاولت عد أشجار الغوطة لمعرفة نجوم الكون.

استهوتك الغوطة وتغزلت بأشجارها المرحة! أشجار ذات حركات راعشة متوافقة مع شبابها، أما الأشجار الهرمة فتلفها سيماء الخجل، يبدو عليها الوقار، جذوعها الضخمة غير قادرة على الرقص بجسدها، عوضت عن ذلك بماضيها، شجرة الجوز التي تربط الأرض بالأفق، لم تعد قادرة على الليونة ولف خصرها، لو حافظت على ليونتها لأدت أروع رقصة، ومع ذلك ترفع صدرها للريح والمطر تاركة يديها تتقافز، فاسحة المجال لغضبها لتحطيم الأغصان اليابسة، نشرت دوحها فنالت ثقة ما حولها من أشجار وطير، فغدت أميرة توزع الريح والشمس إلى الأشجار الأقل ارتفاعاً منها، كمن يوزع البسمات والحلوى على الأطفال. قررت بعد مشاورات مع أمك وإخوتك، أن تلجؤوا إلى صدر خالكم الرحب، الذي كان على علاقة جيدة مع صاحب الأرض القريبة من بيته، ذهبتما إليه وطلبتما أن يسلمكما الأرض خالية من الأشجار والنباتات.

روايات · الصفحة ١٠١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠١٠