تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سناء زوجة أبيك فتية، لا تكف عن السهر والرقص ما دام الليل لم ينتصف بعد، سكنت بيروت فصارت بيروتية، تهتم بأناقتها وحديثها وعطرها وحبها للمجاملة والحديث، تعودت على النزهات وزيارة البحر والسباحة، فيها الكثير من اسمها، وعرة المسالك، لبيبة، لم يصلها أبو قاسم الصلصال إلا بعد أن سلم روحه ووضعها بين يديها، ورفع يديه إيذاناً بتنفيذ شروطها، دفع كل ما يملك مهراً، كتبت عليه مؤخراً بالعملة الصعبة، اشترطت أن تكون العصمة بيدها، أن يعيشا في بيروت، وشروطاً أخرى لم يناقشها، أخبرته أنها لن تغادر لبنان إلا للزيارة، بحر بيروت ملجؤها ومن جبالها تستنشق النسائم، بعد أن اتفقا على كل شيء، ذكرته بعد الزواج بأنها لن تسكن في قريته المنسية، والتي لم تعثر على أثر لها على خارطة سورية، هي التي أخلت بشروطها، لم تصمد بعد تعرضها لأكثر من حادثة، جاءته طالبة أن يرحلا إلى الضيعة، بعد أن كرهت مناظر الموت، بعد موت والدها وأحد إخوتها، الأصح أنها هربت، الرصاص لا يفرق بين الناس، ينطلق إلى حيث يسدد القناصة وأولاد الحرام والمتحاربون، ولولا الظروف الاستثنائية التي مرت ببيروت لما عرفت الصلصال، ولكانت الآن تتمشى على الكورنيش أو في شارع الحمراء.

ما زال يذكر كيف عمل عتالاً في ميناء بيروت، يتوقف الميناء عن العمل لساعات أو لأيام أو أسابيع بسبب الحرب، يبحث عن عمل آخر، يمر يومياً من أمام بيتها في طريقه للعمل، بدأت تراقبه، اصطحبها غير مرة إلى المصايف الجبلية وإلى البحر، أحبَّها وعندما تلفظ بما يدل على إعجابه وحبه، لم يجد منها الصَّد كما توقع، بل ابتسمت، لم يخبرها أنه متزوج سابقاً، وهي لم تسله، اشترطت أن يعيشا في بيت أهلها، ظلا فيه إلى أن أصابته قذيفة فقررت الرحيل.

لِمَ لم تسل عن أمك المريضة؟ أتعاقب نفسك أم تعاقبها؟ لم تشعر بالفجيعة عندما أخبروك بموتها، كنت قد دفنتها بين أضلاعك منذ زمن، لم تجد عناء في مواصلة الحياة عند والدك، أما أختك عائشة التي تكبرك بثلاث سنوات فقد تزوجت وفضلت الحياة بعيداً عن بيت أهلها، زكمت رائحة أمها أنفها، غدت تخجل لدى أي ذكر لها، تقدم ابن خالتها لخطوبتها فلم ترفضه، وجدت الحياة في بيتها الزوجية سبيلاً لخلاصها من واقعها.

روايات · الصفحة ١٠٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ١٠٠٧