عرف حامد الكثير عنك، عرف أن الوصول إليك يمر عبر نفق مظلم لابد من اجتيازه، النقود التي وفرها خلال سنوات، سيصرفها في أيام، كان حزيناً ليس من أجل ذلك، بل لأنه سيعاشر نوعيات تافهة، يتودد لها ويمتدحها، وربما تدفعه الحمية إلى التعاون معها، صار من رواد الملهى، بعض الراقصات أحببن مجالسته، الفضول دفعهن لاكتشاف أي رجل هو حامد، شراب الراقصة المشهورة استهواها شكله، راقبته من بعيد، تمنت أن يطلبها، مستعدة أن تدفع عنه الحساب إذا أشار إليها بإصبعه، منعها كبرياؤها التحرش به، انتظرت وقررت أن لحظة ما ستأتي، حان الوقت ليتحرش بك حامد، اقترب منك واستأذن بالجلوس إلى مائدتك، لم يتلق إجابة، قرر أن السكوت علامة رضى، رآك متعكر المزاج، بكل ود ولطف دعاك أن تسهر ليلتك على حسابه، سألك عن المناسبة، أجبته لكونك متضايقاً، سر من جوابك وقال:
- مقبولة منك يا...
- أنا حامد الراشد.
- الداعي قاسم الصلصال.
عرف من خلال الحديث أنك مدرس، نظر إلى وجهك وابتسم، سألك عن معلمة تدعى هلا أو هلالة، أفاض بالحديث عنها، كيف أحبها وكتب عقده عليها، الملعونة هربت وسرقت العقد، أشار بيده إلى راقصة تترنح دعاها شراب وأضاف:
- ربما لتلك العاهرة يد بذلك!
- يمكنك أن تدعوها إلى بيت الطاعة.
- كيف ونسخة العقد الأصلية لا وجود لها ولا أحد يعرف بيت المأذون إلا أنا وشراب.
- إنها أحجية!
- بل الحقيقة التي سأحدثك بكل تفاصيلها.
تبادلا أطراف الحديث، لم تفكر بطلب راقصة، وجود حامد أنساك همومك، دعوته إلى بيتك، أصررت على اصطحابه، لتقص عليه بقية الحكاية، في البيت سهرتما حتى الصباح، ارتاح إليك، قصصت شيئاً من ماضيك وحياتك وعملك الحالي، وعدك بسهرة مع الفنانة شراب.
عشرات الأسئلة تحاصر هلا، كيف ستتقدم لامتحانات الجامعة؟ كيف ستخرج من البيت؟ طمأنها حامد إلى ضمان سلامتها وزيادة في الاحتياطات رافقها إلى الجامعة حتى آخر يوم من الامتحانات، عادت ثانية إلى كتبها، إلى المطالعة، إلى سجنها الإرادي، شيء واحد تفكر به هو نجاحها هذا العام إلى السنة الرابعة، قدرت أن الدراسة هي السبيل الوحيد لقتل الوقت والفراغ، عشر ساعات وربما أكثر تلتهم فيها الصفحات، تهيئ نفسها للأيام القادمة، لمستقبل مجهول.
-16-
تتنصَّتُ وتسمعُ كل حركة يقوم بها والدك: خاصة وقت اختلائه بزوجته الجديدة، تدخل مخدعهما خلسة على رؤوس أصابعك، وتنسحب في الوقت الذي تراه مناسباً.