ماذا يفيد بقاؤك يا أبا حسن وقد خسرت كل شيء، ماذا يعني أن تعيش بلا رجلين، واحدة قرروا قطعها والأخرى شفيت؟ ستمشي على عكازتين، ستشفق عليك النساء، وربما يرجمك الصغار، كما رجموا قبلك هزاع الأعرج، نسوا كنيته، نسوا أنه إنسان، يستعدون لمنازلته، يتعالى صياحهم، وهو يسب على أمهاتهم بشتائم تزيدهم حماسة، تدفعهم إلى الاصطدام به ليقع على الأرض وهم يضحكون، هو من أوقع عدداً من اليهود في معركة شفاعمر، أصيب فيها ولم يجد من يعالجه، ستكون مثله يا بن الجودة، على الأطفال أن يزفوك، أن يتطاولوا عليك ويرجموك بالحجارة، أن يضحكوا ويسخروا، أما أهاليهم فلن يقولوا سوى بضع جمل تدفع العين للبكاء، لن تنفع لشيء بعد اليوم، تنتظر عودة هلالة لتعذيبها، ولتطلب إليها أن تخدمك: «آه ما أقساك أيتها الأيام، ليتني مت هناك، هل وجودي يعني غير الحزن لابنتي، آه يا هلا أعلم أنك محبة لخدمتي، متفانية، تفعلين ما يسرني، تقصين ما حصل معك». نظرتَ إليها وقلت:
- أنا لا أنفع لشيء يا بنتي!
- أنت رائع يا أبي، إنها ضريبة الاحتلال!
أقسمت أن تصيد من الجنود الإسرائيليين بقدر ما قتلوا من أسرتك، تعرج وعلى كتفك البندقية، تجاوزت الحدود وبقيت شهراً تفترش الطبيعة وتلتحفها، عدت ورأسك مرفوع، أغلقت باب غرفتك وخبأت السلاح، وقعدت تجتر الذكريات، الوحيدة التي تعرف مخبأ السلاح هلا التي شهدت الدقائق الأخيرة من حياتك.
-15-
آه منك يا صلصال طوال عمرك تطارد الرخيصات، ما الذي دهاك لتضع المعلمة هلا في رأسك؟ قررت أن تصيدها، هذه أول مرة ترى نفسك أمام واحدة جادة، لا تخضع ولا تستطيع بدقائق ولا بأيام أن تفعل ما تريد، محاولتك التلويح بالنقود لم تجدِ، وجدت نفسك وجهاً لوجه أمام فتاة تمتلك ثقافة وتناقشك، فإذا بك رجل صموت أحدب قزم القامة حاني الرأس، تنظر بعينيك دون أن تجرؤ على النقاش. على كل الحبال قفزت، لم تبق إلا السياسة، الخوض فيها ورطة تهزم الكبار، فكيف بمدّرسة تظن أنها انتصرت طوال فترة صمتك، ناسية أن المنتصر يرفع إصبعيه، الإصبعان المرفوعان قدماها، لتحرمها أن تتحدث بأمور لا تفهمها: «تظن أن السياسة موجة تركبها وتجدف، ستفهم أنها ليست علكاً» هذا رأي مديرة مدرستها التي رفعت فيها عشرات التقارير السياسية.