تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن السامع ليمسك أنفاسه في هذه اللحظات القصار، (وهي تجري بهم في موج كالجبال) ونوح الوالد الملهوف يبعث النداء، وابنه الفتى المغرور، يأبى إجابة الدعاء، والموجة القوية العاتية، تحسم الموقف في لحظة سريعة وخاطفة.

وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية - بين الوالد والمولود - كما يقاس بمداه في الطبيعة - حيث يطغى الموج على الذرى والوديان. وإنهما لمتكافئان، في الطبيعة الصامتة، وفي نفس الإنسان) (32) .

حقبة الفكر:

بيد أن الأستاذ أحمد جمال قد احتذى الوسطية، في توجهه الأسلوبي، أو لنقل إن المناخ العام قد هيمن على توجهه الأسلوبي، تبعا للموضوعات والطروحات التي يناقشها ويخوض غمارها، فهي تتوزع بين قضايا فقهية وفكرية وما يتصل بروايات وأحداث السيرة النبوية، إضافة إلى ما يتصل بمشكلات العالم الإسلامي والمسلمين في شتى بقاعهم ومختلف اصقاعهم.

أو تبعا للموضع أو الموضوع، كما يتجسد في القضايا الاجتماعية التي تناولها في الصحف والمجلات، وهي طروحات تتسم بخصائص أسلوبية تجنح إلى البساطة والوضوح، ليتسنى للسّواد الأعظم من القراء استيعاب مضامينها والتفاعل مع طروحاتها.

ولذلك فإن نبرة الخطاب لدى الأستاذ جمال تتباين حسب الموضع والموضوع وقد قيّض الله له أن عاش في بلد لم تطأه قدم مستعمر، ولم يترك على ثراها أثرا من فتنه ومحنه وموبقاته، والمستثيرة لغضبة ونقمة الغيارى من كتّاب وسواهم، لذا لا يبدو محتداً إلا حينما تنتهك المحرّمات، أو يتحايل على حلّها، وتسويغها، كما هو الشأن في قناعته بأن دعوى تحرير المرأة تستهدف التغرير بها للخروج والانحلال بدعوى التطور، والمشاركة والاستجابة لمتطلبات العصر ومسلتزمات الحضارة فأطلق زأرته المشهورة في كتابه المعروف (مكانك تحمدي) وهو عنوان ينطوي على مفارقة لطيفة إذ يعيد المفكر في حالة تلبسه بالغضب، حميّة للعقيدة، وغيرة على الحرمات، إلى جذوره الشعرية، كما يكشف عن بعض مصادره الأدبية فقد استقاه من أبيات الشاعر عمرو بن الإطنابة الحماسية التي يقول فيها:

أبت لي عفتي وأبى بلائي

وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وإقدامي على المكروه نفسي

وضربي هامة البطل المشيح

وقولي كلما جشأت وجاشت

مكانك تحمدى أو تستريحي

لأكسبها مآثر صالحات

وأحمي بعد عن عرض صحيح

بذي شطب كمثل الملح صاف

ونفس ما تقر على القبيح (33)

ويدعم حجته بالاستشهاد ببعض آراء المفكرين الغربيين وأعلامهم حيث يقول: (وقال (شامفور) : إن أكثر ميلنا الى النساء جنسي، أما التوافق الروحي والعقلي فضعيف جداً، وشكا (روزفلت) أحد رؤساء أمريكا السابقين من عرض النساء أنفسهن لمزاولة الأعمال العامة بأجور أقل لانهن يقفلن بذلك الباب أمام الرجال الذين هم أحوج منهن الى المال، وقال: إن واجب المرأة المتزوجة أن تنهض بأعباء البيت، وتنظم شئون الأسرة، وعلى الفتاة أن تتزوج وتعيش من كدح زوجها ليتسنى لنا أن نربح من جهود المرأة في دائرة البيت أضعاف ما نربحه من جهودها في الاعمال الأخرى) (34) .

ولا يفوت المؤلف قبل تفصيل القول في مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية، أن يعرج على عقد مقارنة سريعة، لتبيان موقف العقائد والمجتمعات الأخرى من المرأة، وأساليب تعاملهم معها حيث يقول:

(لا تعرف مكانة المرأة في التشريع الإسلامي، على حقيقتها، إلا بعد معرفة النظرة التي كان ينظر بها إلى المرأة في الحضارات والتشريعات السابقة، وإلا بعد إدراك المعاملة التي كانت تعامل بها قبل الإسلام، فقد كانت المرأة:

- عند الإغريق والفرس متاعا للبيع والشراء، وكان الرجل صاحب سلطة عليها سواء كان أبا أو زوجا.. إذ لا أهلية فيها للتصرف.

- وفي الهند كان حق الحياة أو حقها في الحياة ينتهي بوفاة زوجها، فتحرق على جثته، وإن سلمت من عملية الحرق عاشت ملعونة منبوذة طوال حياتها.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٧٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٧٩٦