وعلى أن هذا الزمن قد محا في قلبي من بعدها واثبت، فلا تزال تنشقّ لها زفرة من صدري كلما عرضت ذكراها، كأن القلب يسألني بلغته. أين هي؟
والقلب الكريم لا ينسى شيئا أحبه ولا شيئا ألفه، إذ الحياة فيه إنما هي الشعور، والشعور يتصل بالمعدوم اتصاله بالموجود على قياس واحد، فكأن القلب يحمل فيما يحمل من المعجزات بعض السّر الأزلي الذي يحيط بالأبعاد كلها إحاطة واحدة، لأنها كلها كائنة فيه، فليس بينك وبين أبعد ما مر من حياتك إلا خطوة من الفكر. هي للماضي اقصر من التفاتة العين للحاضر.
ليس بجمال إلا ذلك الروح الذي يرفع النفس إلى أفق الحقيقة الجميلة، ثم ينفخ فيها مثل القوة التي يطير بها الطير ويدعها بعد ذلك تترامى بين أفق إلى أفق، فإما انتهى المحب إلى حيث يصير هو في نفسه حقيقة من الحقائق، وإما انكفأ من أعاليه وبه ما بالطيارة الهاوية: دفعت راكبها إلى حيث ترمى به ميتا أو كالمغشي عليه من مس الموت) (27) .
وجوهر المفارقة يكمن في أنّ الرافعي مزّق غلالة الرومانسية التي كان يتوشّح بها، لينبري فجأة كالفارس الكميّ الشاكي السلاح، ليجرّد حسام اللغة، ويقوّم سنان حروفه، في مواجهة الدكتور طه حسين حينما ألف في عام 1926م كتابه (في الشعر الجاهلي) ، والذي أصدره في العام الذي يليه بعنوان (في الأدب الجاهلي) وتبنّى فيه نظرية (رينيه ديكارت) في الشك المفضي الى اليقين، وإن كان طه حسين قد ضخّم في حقيقة الأمر ما تبناه وطرحه المستشرق مرجليوت الأستاذ في مدرسة الألسن التي أسسها رفاعة رافع الطهطاوي بمصر في بحثه المسمى ب (أصول الشعر العربي) (28) .
فألّف الرافعي (المعركة بين القديم والجديد) و (تحت راية القرآن) ليصب فيهما جام لغته وغضبه على الدكتور طه حسين بمفردات نيزكية حادة وحارقة، كقوله: (لم ينفرد الأستاذ طه حسين بانتحال الجديد والتجديد، ولا هو أول من زعم ذلك أو حامى عنه أو كابر عليه، فقد سبقه آخرون لكنه أول من اجترأ على الأدب العربي بالمسخ والتكلّف وقال فيه بالرأي الأحمق) (29) .
وقوله في الموضع نفسه: (وإنّ من عجز عن أن يعلو لا يعجزه أن يسفل، بيد أنا لم نجد ولم نعرف غير هذا الأستاذ أحداً يرضى لنفسه أن يُمتدح بالعيب ويتحسّن بالقبح) (30) .
وهول صدمة الرافعي في ثقافة أمته ومكونات نتاجها الأدبي المسحوق تحت سنابك (الشك) والنفي، هي ما يبرر استهلاله كتابه على جلالة مسماه (تحت راية القرآن) ليقول في مقدمته:
(وإنّ طائفة من الذباب لو أصابت حامياً مدافعاً من النسور، فجاءت تطنّ لتلوذ به وتنضوي إليه، ثم قصف النسر قصفة بجناحيه لأهلكها، أو بعثرها، وشردها) (31) .
بينما يمثل (وحي القلم) أحد أشهر أعمال الرافعي التي تحتضن جملة من المقالات التي نشرتها الصحف، ويعكس المحصّلة الثقافية الرصينة التي تمتع بها الرافعي، وجملة من الخصائص الأسلوبية التي عرف بها، كما يضم بين جنباته بعضاً من معاركة الأدبية والثقافية بشكل عام تمثل امتداداً لما عرفه المتلقي في (تحت راية القرآن) وتجسد ثباته على موقفه الفكري في التحاور والدفاع عن الثقافة، من منطلق ديني، دون أن يضعف أو يحيد عن الثوابت.
رحلة سيّد قطب من الشعر إلى النثر:
وشاعر آخر اقتنص فرصة هدوء التيار الشعري، ليسبح إلى الضفة الأخرى، والتي كان ينتظره على مرفئها مجد جديد ضمن أحضان التفسير البياني، والدراسات التصويرية والبيانية للقرآن، وأعني به الأستاذ سيد قطب، والذي ينسحب عليه ما ينسحب على خدينه من كمون النزعة الإيمانية المتوارية بين ثنايا أبياته، وتطل بين نسيج شعره العاطفي، حيث يقول:
الآن والايام مد برة
تولول بالنواح
والأفق مخضوب الأديم
، وقد تأذّن بالرواح
أقبلت ويحك تبسمين
، فأين كنت لدى الصباح
وجه الخريف يطلّ فاس