وما الدَّهر إلا تَارتان، فمنهما
أموتُ، وأُخْرى أبْتَغِى العيشَ أكْدَحُ
وكلتاهما قد خُطَّ لي في صَحِيفتي
فَلَلْعَيشُ أشْهَى لي، وللمَوتُ أرْوَحُ
وقوله في قصدية أخرى (25)) [البسيط]
يا حُرَّ أمْسَيْتُ شَيْخاً قَدْ وَهَي بَصَرِي
والتَاثُ ما دونَ يَوْمِ الوعْدِ من عُمُري
لَوْلا الحَيَاءُ ولَوْلا الدين عِبْتِكُمَا
بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَري
أما بقية شعره على كثرته، فبحكم طبيعته التي عرف بها عند الرواة، انبرى يشيد فيه بمظاهر الحياة الجاهلية ولم يمنعه إسلامه من أن يضمنه مضامين جاهلية يأباها الإسلام. لقد ظل قلبه بعد إسلامه معلقا بزوجه الدهماء التي ورث نكاحها عن أبيه في الجاهلية، ففرق الإسلام بينهما، وظل شعره يحتفى بنزعات جاهلية أبطلها الإسلام. يعبر عن هذه النزعة الجاهلية، التي لم تتأثر كثيراً بالدين ويجليها قوله (26) : [البسيط]
هَلْ عَاشِقٌ نالَ مِنْ دَهْماءَ حاجَتَهُ
في الجاهِلِيةِ قبْلَ الدين مَرْحُومٌ
إنْ ينقُصِ الدهرُ مِني فالْفَتَى غَرَضٌ
لِلدهْرِ، من عوْدِهِ وافٍ ومَثْلُومُ
وإنْ يَكُنْ ذَاك مِقْداراً أُصِبْتُ بِهِ
فسيرَةُ الدهرِ تَعْوِيجٌ وتَقْويمٌ
ما أطْيَبَ العيشَ لوْ أنَّ الفتى حَجَرٌ
تَنْبُو الحوادِثُ عنْهُ وهو مَلْمُومُ
لا يُحْرِزُ المرءَ أنْصَارٌ ورابِيَةٌ
تَأْبَى الهوانَ إذا عُدّ الجراثِيمُ
لا تْمَتَعُ المرءَ أحجاءُ البلادِ، ولا
تُبْنىَ لَهُ في السَّموات السلالِيمُ
ومن شعراء الأعراب المخضرمين الموصوفين بقلة عواطفهم الدينية الحطيئة وهو من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم (27) عمر دهراً في الجاهلية (28) وعاصر ظهور الإسلام وما رافقه من تحولات قلبت وجه الحياة. وأدرك عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ويظن أن توفى في زمن سعيد بن العاص في ولايته لمعاوية على المدينة (49-55هـ) (29) .
ويختلف الرواة في زمن إسلامه فيرى ابن قتيبة أنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي (، لأنه لم يسمع له بذكر فيمن وفد عليه من وفود العرب (30) .
ويرى المستشرق أجنتس جولد تسهير ((أن هذه الحجة غير مقنعة، لأن الحطيئة لم يكن رفيع المكانة في قبيلته حتى يكون بين الممثلين لها في الوفد الذي أرسلته إلى النبي محمد (والأخبار الخاصة بوفود القبائل تدل على أن أكبر أعيان القبيلة هم الذين كانوا يؤلفون الوفد (31) .
ويرى ابن حجر وغيره أنه أسلم في عهد النبي (ثم ارتد، ثم أسر وعاد إلى الإسلام (32) ويتحدثون عن أخلاقه فيجمعون على القول أنه كان ذا شر وسفه (33) ويصفه ابن قتيبة بأنه كان رقيق الإسلام (34) ويتهمه الأصمعي وينفرد بالقول بأنه ((كان كثير الشر، قليل الخير، فاسد الدين)) (35) .
ويرى عدد من الدارسين المحدثين أن الرواة القدامى، قد تحاملوا على الحطيئة وبالغوا في اتهامه، وصوروه بصورة بشعة جعلت الناس ينفرون منه ويخشونه (36) وإذا كان المؤرخون القدامى قد رسموا صورة شريرة للحطيئة، فإن بعض الدارسين المحدثين قد عنوا بدراسة الأسباب التي أثرت في سلوكه وشخصيته. ويتفقون على أن نشأته المتواضعة وفقره وتدافع نسبه بين القبائل، ودمامته وقبحه، كل ذلك جعله يشعر بالنقص الذي لازمه، ويقف موقف العداء ممن حوله.
ويتفق الدكتور شوقي ضيف مع الدكتور طه حسين على الأسباب التي أثرت في سلوك الحطيئة ويختلفون على زمن المدة التي حدث فيها اضطرابه وقلقه. فشوقي ضيف يرى أن قلق الحطيئة وغربته واضطرابه حدثت له في أول حياته، في العصر الجاهلي يقول في ذلك ((ولقب بالحطيئة لقصره أو لدمامته، وقد ولد لأمه تسمى الضراء، كانت لأوس ابن مالك العبسي. ونشأ في حجره مغموزاً في نسبه، وجعله ذلك قلقاً مضطرباً منذ أخذ يحس الحياة من حوله، وزاد في اضطرابه وقلقه ضعف جسمه وقبح وجهه. إذ كانت تقتحمه العيون، ولم يكن فيه فضل شجاعة يستطيع أن يتلافى به هوان شأنه في “ عبس ” على نحو ما صنع عنترة من قبله. ومن ثم نشأ يشعر بغير قليل من المرارة، ولعل هذا هو السبب في غلبة الهجاء عليه)) (37) .