تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا عَلّلاني قبْلَ نَوْح النَّوائِحِ

وقبَل ارتقاءِ النفس بين الجوانحِ

وبعد غدٍ يالهفَ نفسي على غدٍ

إذا راحَ أصحابي ولستُ برائحِ

إذا راح أصحابي تَفِيضُ عُيونُهم

وغُودِرتُ في لحدٍ على صَفَائِحي

يقولونَ: هل أصلحتُم لأخيكُم

وما القبُر في الأرضِ الفضاءِ بصالحِ

وله نتفة أخرى قالها يتذكر فيها ماضيه وأيام صعلكته، ويعبر فيها عن حنينه إلى الغارات وأسلوب الفتك واللصوصية. تلك العادة التي حاربها الإسلام وأنزل بأصحابها أشد العقوبات. وكادت تختفي زمن الرسول (والخلفاء الراشدين من بعده. ومع أنه لم يرد في أخباره ما يفيد بأنه ظل يمارس تلك العادة بعد إسلامه، أو أنه أقلع عنها، بل لعلنا نرجح أنه كف عن ذلك بسبب شيخوخته على الأقل، إلا أن تلك الأبيات قد أظهرت ارتباطه بماضيه، وبدلاً من أن يعلن ندمه في إسلامه على ما كان من إغارته ولصوصيته في الجاهلية، وتوبته واطمئنانه على حياته في ظل الإسلام نجده لم يخف حنينه لحياة السلب والإغارة التي أعتاد عليها من قبل. بل نراه يعتز بصعلكته، ويجتر ذكرياته حينما كان يجازف بحياته ويعرضها لركوب المخاطر يقول (9) :

ياربّ مُظْلِمَةٍ يوماً لطيتُ لها

تمضي عليّ إذا ما غاب نُصّاري

حتى إذا ما انَجلتْ عني غَيَابتُها

وَثبْتُ فيها وثوب المُخْدِرِ الضَّارِي

لعل في تلك النماذج التي عرضنا لها في الأمثلة الماضية ما يمكن اعتباره شاهداً على رقة دين أبي الطمحان وفسقه. فهذا النزر اليسير من شعره الذي وصل إلينا فيه دلالة على أن روح الجاهلية ظلت تسيطر على تصرفاته. فقد اضطرب في سلوكه وخالف الإسلام وخرج على تعاليمه. وكان يتوقع منه وقد عاش دهراً في الإسلام أن يكون شعره عامراً بالتقى والصلاح والرغبة في النصح وعمل الصالحات. إلا أنه أظهر خلاف ذلك حنيناً إلى الماضي، وتهالكاً على المتع والملذات. وربما هذا هو ما جعل الرواة يتهمونه بفساد الدين وخبثه في الجاهلية والإسلام.

لقد كان لشعراء البادية الآخرين صلة ضعيفة بالدين فابن قتيبة يصف شبيل بن ورقاء فيقول (10) : ((هو من زيد بن كليب بن يربوع، وكان شاعراً مذكوراً جاهلياً، فأدرك الإسلام وأسلم إسلام سَوْءٍ، وكان لا يصوم شهر رمضان فقالت له بنته، ألا تصوم؟ فقال: [الطويل]

تَأْمُرُني بالصوْمِ لا دَرّ درها

وفي القبْرِ صَوْمُ لا أبَاكِ طَوِيلُ

وفي الاشتقاق بنحو مما في رواية ابن قتيبة (11) .

وأخبار الرواة عن شبيل بن ورقاء نادرة. فلم أقف له على شيء يذكر في المصادر التي اطلعت عليها، إلا ما تقدم ذكره مما يجعل رسم صورة عن حياته أمراً غير ممكن. وفي ضوء خبر ابن قتيبة، يمكن القول إن الإسلام لم يتمكن من نفس شبيل، ولم يتعمق في قلبه. فظل بعد إسلامه جافياً رقيق الدين. يقترف الذنوب ويجاهر بها، ويصعب عليه صوم شهر رمضان، وفي هذا دلالة على فسقه واستهتاره، وضعف عقيدته، وتنكره للدين وفرائضه.

وأشهر من يذكر في هذا المجال من شعراء الأعراب. شاعران هما: الحطيئة، جرول ابن أوس، وابن مقبل وسيأتي ذكر الحطيئة لاحقاً. أما تميم بن أُبَيّ بن مقبل فقد وضعه ابن سلام في الطبقة الخامسة من شعراء الجاهلية وقال عنه: ((وكان ابن مقبل جافياً في الدين، وكان في الإسلام يبكي أهل الجاهلية ويذكرها، فقيل له: تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم فقال: [الطويل]

ومَالِيَ لا أَبكِي الديَارَ وأهْلَهَا

وقد زارها زُوّارُعَكٍ وحِمْيَرَا

وجاء قَطَا الأجْبَابِ مِنْ كُل جَانِبٍ

فَوقّعَ في أعطانِنَا ثُم طَيّراَ

وهذان البيتان يعبران عن غربة ابن مقبل في الإسلام فلم يكن انتقاله من عهد الجاهلية إلى الإسلام ليحدث تحولاً في حياته أو تبديلاً في نمط تفكيره. فهو يحن إلى أيام الجاهلية ويبكي أهلها ويتذكرهم، ويرى أن الزمان قد تغير وأن الأرض قد بدلت، وتغيرت أخلاق الناس فصار يرى نفسه غريباً يعيش في وسط غريب عنه. يفسر هذا ويجليه قوله في القصيدة التي منها البيتان السابقان: [الطويل]

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٧٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٧٧٢