واختصت الصحراء بأشجار ونباتات معينة، بعضها يتحمل البيئة القاسية من شدة حرارة وبرودة وقلة مطر، وبعضها ينبت إبان الربيع بعد هطول الأمطار. وشاع في الشعر العربي ذكر لكثير من هذه الأشجار والنباتات التي عرفها سكان الصحراء، واستعانوا بها في حياتهم وأعمالهم ورعي أنعامهم، واستخدموا ثمار بعضها في غذائهم كالنخيل والزروع التي تنتج القمح والشعير والدُّخْن، ووظفوا أغصانها في صنع الرماح والقسي والسهام والعصي، وخشبها في صنع الرحال والأقتاب والهوادج، ولوقود النار، وغير ذلك من المنافع التي أحسن العرب صنعها واستخدامها. ومن حسن الحظ أن كثيرًا من أسماء الأشجار والنباتات لا تزال تحتفظ بأسمائها التي عرفت بها في الشعر الجاهلي، وانتقلت عبر هذه القرون الكثيرة من السلف إلى الخلف مشافهة حتى وصلت إلينا.
غير أن جميع أنواع الأشجار والنباتات الصحراوية لم ترد في شعر العرب في موضوعات مستقلة، بل وردت أسماؤها متناثرة في أبيات متفرقة في دواوين الشعر ومجاميعه، والذين عرضوا لتحقيق الدواوين وجمع الأشعار لم يعنوا بوضع فهرس للنباتات والأشجار التي تضمنتها إلاّ قليلاً منهم، على الرغم من أهمية هذا الفهرس وضرورته، وكان عملهم في الفهارس منصبًا على التقليدي منها، كفهرس الأشعار، والأعلام، والقبائل والطوائف، والمواضع والأمكنة؛ ولذلك فإن الدارس المعني بالموضوع مضطر إلى قراءة الدواوين والمجموعات الشعرية وتصفحها؛ حتى يعثر على بغيته. ومن هنا تأتي أهمية الفهارس الشاملة المفصلة؛ لأنها تضع أمام الباحث مفاتيح الدراسة، وتوفر له جهدًا ووقتًا من الممكن أن يستغلها في جوانب مهمة من دراسته.
ولذلك ستكون نماذج الاستشهاد أبياتًا مفردة؛ لتعذر العثور على نصوص شعرية متكاملة. والأسماء التي وضعها العرب للأشجار والنباتات هي من وحي بيئة الصحراء وتأثيرها، فحق أن ينسب ذلك كله إلى أثرها في الشعر. وليس من المستطاع أن ألم بجميع ما ورد في الشعر العربي، أو الشعر الجاهلي بخاصة من الأسماء، فحسبي ذلك بعض النماذج والأمثلة التي تثري الموضوع وتدل عليه، ويقاس عليها ما سواها مما تحفل به دواوين الشعر ومجاميعه. وسأذكر فيما يلي اسم الشجرة أو النبتة، وأعرف بها، ثم أذكر شاهدها الشعري.
1- النخلة، قال أوس بن حجر (1) :
وقتلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ *** تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ (2)
والمعنى والتشبيه واضحان.
2 – الشَّرْيُ: وهو شجر صحراوي يفترش الأرض، يشبه شجر البطيخ الأحمر (الحبحب) أو (الرّقي) كما يُسَمَّى في العراق، وله حَدَجٌ في مثل حجم البرتقال، وبعضه في مثل حجم البطيخ، شديد المرارة، تأكله بعض الحيوانات، ويقال له الحنظل أيضًا، وله حب صغير يسمى الهبيد، الواحدة شَرْية (3) . وهبيده يُعَالج حتى تذهب مرارته، ثم يؤكل لبه، وهو لذيذ خفيف على المعدة. قال أوس (4) :
ألم تَرَيَا إذْ جئتُمَا أنَّ لحمَها ** به طَعْمُ شَرْيٍ لم يُهَذَّبْ وحَنْظَلُ؟! (5)
وكان العرب في الجاهلية يأكلون لب الهبيد. قال امرؤ القيس (6) :
(1) ديوانه: 30.
(2) مسبل منهمر: مطر غزير.
(3) انظر: اللسان (شري، حنظل، هبد) .
(4) ديوانه: 94.
(5) يصف لحمها بأنه شديد المرارة كالحنظل. لم يهذب: لم يعالج وينق حبه حتى تذهب مرارته. اللسان (هذب) .
(6) ديوانه: 9. والبيت من معلقته المشهورة.