، وهي قصيدة ذائعة مشهورة. ونلحظ تأثره الواضح بالقصيدة الجاهلية في وصفه للمفازة التي سلكها للوصول إلى ممدوحه؛ فهو يسمها بأنها غير معروفة المسالك والدروب، مستوية يغيب فيها البصر، ولا يستطيع الأدلاء أن يهتدوا للسير فيها، ويصف جوها بأنه متوقد الحرارة بالقدر الذي يجعل الرياح تهب في ضعف وكلال، وتلوذ بأكناف الصخور للبحث لها عن أماكن ظليلة. ثم يضفي وصفًا آخر للمفازة التي سلكها، وهي أنها مختلفة الألوان تبعًا لطبيعة الأرض، ويعاني المسافر مشقة بالغة في التوقل في مسالكها، والتخلل عبر منافذها الملتوية الضيقة التي تكون عادة في الشعاب والتلاع والجبال. ويذكر أنه اعتمد في قطع هذه المفازة الشاسعة على ناقة صلبة سريعة سهلة السير ذات نشاط وهمة في اجتياز هذه المسافة الطويلة، وتمكن بها أن يصل إلى ممدوحه عند إشراق ضوء الصباح بعد ليل طويل داجي الظلمة أمضاه في السير. ويصف البلدة التي قصدها بأنها بعيدة بعدًا مضنيًا، يتصور الذهن أن الوصول إليها رجم من الظن والغيب، فالطريق إليها ليس إلا مسرحًا للذئاب. ويشبه جبالها وقد كللها السراب بإبل جللت بالمطارف البيض تغذ السير لتنحر وفاء بنذر في يوم عيد، ويشير إلى أنه عانى من أهوال قطع هذه المفازة، واكتحلت عيناه بالأرق والسهاد؛ ليبلغ ممدوحه وينشده قصيدته.
وندرك مما تقدم أن وصف الصحراء من الموضوعات التي عني بها الشعر العربي، وإن لم يكن ذلك الوصف موضوعًا مستقلاً، ولكنه داخل ضمن موضوعات أخرى كالمدح كما تقدم في قصيدة مسلم بن الوليد.
يضاف إلى هذا الموضوع وصف حيوانات الصحراء، ما كان منها مستأنسًا وغير مستأنس، ومن أظهر ذلك وصف الناقة التي تعد المركب الذلول لقاطن الصحراء، ووسيلته الأولى في قطع الفيافي واجتياز المفاوز الشاسعة، ولذلك أطلق عليها سفينة الصحراء؛ لأنها تقوى على السير الطويل والحمل الثقيل، في مختلف الأجواء، وتمكث أيامًا دون طعام أو ماء. ومن أبرز الشعراء الذين أثر عنهم شعر في وصف الناقة طرفة بن العبد البكري، الذي اشتمل ديوانه على نعوت كثيرة لها حتى إنّه يستحق أن يلقب بشاعر الناقة، وأشعاره التي قالها فيها جديرة أن تفرد ببحث مستقل. ولست أرى دابة لصيقة بالصحراء وطبيعتها مثل الناقة؛ لذلك أرى أن جميع الأوصاف التي خلعها طرفة وغيره من الشعراء عليها كانت من تأثير الصحراء، ولو بطريقة غير مباشرة. وتحظى معلقته بالنصيب الأوفر من الأبيات التي وظفها في وصف الناقة، فقد حظيت منه باثنين وثلاثين بيتًا من المعلقة (1) وحدها، فضلاً عن الأبيات المتفرقة في ديوانه (2) .
من ذلك قوله في وصفها (3) :
1- وإنِّي لأُمْضِي الهمَّ عند احْتِضَارِهِ
2- أَمُونٍ كألواحِ الإرَانِ نَسَأْتُهَا
3- جُمَالِيَّةٌ وَجْنَاءُ تَرْدِي كأنَّها
4- تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وأتْبَعَتْ
بَعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تروحُ وتَغْتَدِي (4)
(1) معلقة طرفة، ديوانه: 34- 46، وشرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: 149وما بعدها. ...
(2) ديوانه: 61، 62، 94، 95، 100، 101، 167، 176، 184- 186.
(3) ديوانه34-35، وشرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: 149- 154، وشرح المعلقات السبع: 48- 49.
(4) احتضاره: حضوره. العوجاء: التي اعوجتْ من الهُزَال إلى السمن، وهي التي لحِقَ ظهرُها ببطنها فاعوج جسمها. مرقال: سريعة.