تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل الطريق الأمثل لدراسة نشأة أدب من الآداب الإنسانية هو أن نتخذ من دراسة نشأة اللغة، وعوامل تكونها وتطورها، ومضاهاتها باللغات التي تأثرت بها أو أثرت فيها منطلقا لوضع أيدينا على البدايات الأولى للشعر؛ لأن اللغة وعاء الشعر، والشعر أيضا لا ينشأ من فراغ، فلكي يعطي ثماره، لابد أن تكون اللغة نفسها قد وصلت إلى مرحلة من النضج تستوعب فيها التعبير عن العواطف والمشاعر والأفكار وغير ذلك من الحالات الشعورية والمواقف الإنسانية.

فإمساك الباحث بأول خيط نشأة اللغة، وتتبع مراحل تطورها عبر الزمن سيتيح له الوقوف على بداية الشعر، ومراحل تطوره، ولكن قد توجه ملحوظة مهمة إلى هذا الرأي، وهي أن بداية اللغة نفسها غير واضحة المعالم، كالشعر تمامًا، والدراسات التي كتبت عن أولية اللغة لا تكاد تسلم من الافتراضات وربما التخمينات في طرح بعض النظريات التي قد لا تصح، ولكن قد يسهم في حل الغموض الاستعانة بالنقوش والكتابات العربية التي عثر عليها في الكهوف والمعابد، وفوق الصخور في أماكن متعددة من شبه الجزيرة العربية، كالجوف، وتيماء، ومدائن صالح، والفاو، بالإضافة إلى الاستعانة بالحفريات والآثار التي تلقي بعض الأضواء على حياة العرب الأولى، وصلتهم بالأمم الأخرى.

وقد وجدت دراسات كثيرة حول هذا الموضوع قام بمعظمها رحالة ومستشرقون وكتبوها بلغاتهم الأصلية.

ومثل هذه الدراسات والبحوث التي تكتب عن نشأة اللغة وتدوين بداياتها الأولى قد تضعنا على أول الطريق، لوضع نظرية صحيحة لنشأة الشعر العربي.

ونخلص من هذا كله إلى نتيجة حتمية، وهي أن الشعر العربي نشأ في صحراء العرب؛ فهي التي ألهمت الشعراء الأوائل في التوصل إلى قرض الشعر، وشهدت سهولها وحزونها البدايات الأولى لنشأته ومرحلة طفولته، وتدرجه حتى استقام شعرًا له وزنه وقافيته، غني بالمعاني والأفكار والموضوعات والصور البيانية والخيالية، التي استمد معظمها من بيئة الصحراء وثقافة الصحراء.

مظاهر أثر الصحراء في الشعر العربي:

للصحراء أثر واضح في الشعر العربي، ولاسيما الشعر الذي قيل على أديمها، والشعر الذي تأثر به في العصور الأولى، وبخاصة شعر عصر صدر الإسلام، والدولة الأموية، والعصر العباسي الأول والثاني. ونلمس هذا التأثر في مختلف جوانب الشعر: الشكل والمضمون والموضوعات. والشعر العربي ليس نصوصًا إبداعية فقط ولكنه – إلى جانب ذلك – يمثل بيئته، ويعبر عن حياة العرب الاجتماعية، وما تحفل به من نشاط متنوع. وهو بهذا المقياس شعرٌ له رسالة وهدف، وهذا ما دفع بعض الدارسين أن يستوحوا حياة العرب من شعرهم، حين قصر التاريخ عن استيعاب ذلك والإلمام به، بل إن مصادر التاريخ كسيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، وابن خلدون، تضمنت نصوصًا شعرية كثيرة أسهمت في تدوين أحداث التاريخ، ولذلك ستكون معالجتي لنصوص هذا البحث من هذا المفهوم الذي يرى أن الشعر العربي تصوير لحياة العرب ومناشطهم. وسأتحدث في الصفحات التالية عن أبرز معالم تأثير الصحراء في الشعر مستشهدًا ببعض النصوص الشعرية الغزيرة التي تثبت ذلك في أجلى مظاهره.

في اللغة:

اللغة مادة الأدب شعرًا ونثرًا، وأداة البيان والتعبير المثلى. والتأثير في اللغة ثراءً ودلالةً ومضمونًا تأثير في الأدب، وتأثير فيما يحمله من أفكار ومعان. والصحراء بمفهومها الدلالي أثرت اللغة العربية بفيض من الألفاظ والمفردات التي وظفها الشعراء في شعرهم، وبخاصة الشعراء الذين كانت صلتهم بالصحراء مباشرة، وارتباطهم بها قويًّا، بأن ولدوا في رحابها، ودرجوا على ظهرها، وتنسموا هواءها، وأمضوا سنوات عمرهم يتنقلون في جنباتها. ويتضمن معجم الشعر العربي ألفاظًا غزيرة أوحت بها الصحراء ومظاهرها وطبيعة الحياة فيها. والمتتبع للشعر العربي يستطيع أن يُرْجعَ كثيرًا من ألفاظه إلى وحي الصحراء. وتمثل هذه الألفاظ الشعرية معجمًا لغويًا كبيرًا يكوِّن في مجمله جانبًا لا يستهان به من مفردات اللغة العربية، من ذلك أسماء الصحراء وصفاتها، ووصف حزونها وسهولها، وما يتعلق بطبيعتها الساكنة والمتحركة، وهي ألفاظ كثيرة تتصل بالحيوان، والنبات، والسحاب، والمطر، والسيل، إضافة إلى الألفاظ المتعلقة بالحياة ووسائل العيش والتنقل تبعًا لتغير فصول العام، وما تفرضه طبيعة المجتمع الصحراوي من حركة ونشاط، وكر وفر في ميدان المعارك والحروب.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٢٠٨