تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأَرى أَنَّ هذا الخِلافَ ليسَ بِذي فَائِدَةٍ كَبيرَةٍ، فالنُّحَاةُ لمْ يَخْتَلفوا في إعْرابِ البَدَلِ، وإنّما الخِلافُ في تَحْديدِ المَقْصُود ببَدَلِ الاشْتِمَالِ،فهو خِلافٌ في حَدِّ المصْطَلَحِ،وأرَى أنَّ هذا التَّحْديدِ يَدْخُلُ في الجَانِبِ الفَلْسَفِيِّ للنَّحْو، وأَرَى أنّهُ يُمْكِنُ القَوْلُ: كُلُّ مُبْدَلٍ يَشْتَمِلُ عَلى البَدَلِ ولكنْ ليسَ كُلُّ بَدَلٍ يَشْتَمِلُ عَلى المُبْدَلِ مِنه، ومِثالُ ذلكَ أنَّكَ إذا قلتَ: (أَعْجَبَتْني الزَّهْرَةُ رَائِحَتُها) تَسْتَطِيعُ القَوْلَ إِنَّ الزَّهْرَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الرَّائِحَةِ،ولكنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقولَ إنَّ الرَّائِحَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الزَّهْرَةِ،فبينَهُما مَا يُشْبِه العُمُومَ والخُصُوصَ، فالعامُّ يَشْمَلُ الخاصَّ ولكِنَّ الخَاصَّ لا يَشْمَلُ جَميعَ العامِّ،كَمَا أَنَّك إذا قلت: (سُرِقَ زَيْدٌ ثوبُه) جَازَ لكَ أنْ تَقولَ إنَّ البَدَلَ يَشْتَمِلُ على المُبْدَلِ مِنْه، وجازَ العَكْسُ، وهذا الذي أَرَاهُ هو الذي دَفَعَ النُّحَاةُ إلى القوْلِ بأكثر من رأي.

إعراب المخصوص بالمدح

نُسِبَ لسِيْبَوَيْه في إِعْرابِ المَخْصُوصِ بالمَدْحِ قَوْلان:

الأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ خَبَراً لمُبْتَدأ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُه (هو) (1) ،وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: نِعْمَ الرَّجُلُ هو زَيْدٌ، والمُبْتَدَأ هاهُنا مَحْذُوفٌ وُجُوباً، وقد أَخَذَ بِهذا الرَّأْيِ جُمْهُورُ النُّحَاةِ، مِنْهُم الجَرْمِي (2) والمُبَرِّدُ (3) وابنُ السَّراجِ (4) والسِّيْرَافِيُّ (5) والفَارِسِيُّ (6) وابنُ جِنِّي، قالَ في اللُّمَعِ (7) :" و (زَيْدٌ) مَرْفُوعٌ، لأنَّه خَبَرُ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ، كَأنَّ قائِلاً قالَ: مَنْ هذا المَمْدُوحُ؟ فقُلْتَ: (زَيْدٌ) ، أيْ: هو زَيْدٌ ".

الثانِي: المَخْصُوصُ مَرْفُوعٌ بالابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الفِعْليَّةُ خَبَرٌ عَنْه (8) ، وهذا هو الرَّأيُ الذي اخْتَارَه أبو الحَسَن بنِ الباذِش (9) وغَيْرُه مِنْ النُّحَاةِ (10) .

ويَرَى ابنُ الباذِش أَنَّ الرَّأيَ الأوَّلَ هو رَأْيُ مَنْ يُسيءُ فَهْمَ عِبَارَةِ سِيْبَوَيْه (11) ، ونَقَلَ الأشْمُونِي عَنْ ابنِ الباذِش قَوْلَه (12) : " لا يُجِيزُ سِيْبَوَيْه أَنْ يَكُونَ المُخْتَصُّ بالمَدْحِ والذَّمِّ إلاّ مُبْتَدأ ".

(1) انظر ارتشاف الضرب3/25.

(2) انظر ارتشاف الضرب 3/25، وشرح التصريح 2/97.

(3) انظر المقتضب 2/142.

(4) انظر الأصول 1/112.

(5) انظر ارتشاف الضرب 3/ 25،والأشموني 3/37.

(6) انظر الإيضاح العضدي 87.

(7) اللمع 140.

(8) انظر شرح جمل الزجاجي لابن خروف 594،وشرح التصريح 2/97.

(9) انظر مغني اللبيب 602، والنكت الحسان 134،والأشموني 3/ 37، وشرح التصريح 2/97.

(10) انظر التبصرة والتذكرة 1/275،وشرح جمل الزجاجي لابن خروف 594،وشرح الرضي 2/318.

(11) انظر النكت الحسان 134.

(12) انظر الأشموني 3/37.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣١٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣١٢٥