تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك لها حق إلغاء بعض الأجهزة أو الإدارات أو المؤسسات التي يظهر لها أنها استنفذت أغراضها المقصودة من إنشائها.

الهوامش والتعليقات

حقوق الإنسان في فلسفة

الثورة الفرنسية

د. أحمد باسل نور الدين الرفاعي

أستاذ مساعد - كلية الحقوق - جامعة مؤتة

ملخص البحث

تحاول هذه الدراسة جلاء البنية العميقة للنظام الجديد الذي أقامته الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر. إنها تحاول اكتناه الأساس المبتكر لحقوق الإنسان، ثم استشراف المآل الحتميّ الذي تؤول إليه هذه الحقوق عملياً بحكم الأساس ذاته الذي تنطلق منه. ولقد قادتنا التحليلات إلى أن النظام الجديد الذي أقامته ثورة 1789 م هو في جوهره ذات النظام القديم الذي هدمته، نظام السلطة المطلقة أو نظام القوة الذي أخذ مع الثورة صورةً “ جديدة ” يتربّع فيها الفرد، كل فرد من أفراد الجماعة السياسية، على عرش القوة ويصبح هو الحقيقة الأساسية في النظام الجديد. إن هذا النظام يقوم على سيادة الإرادة الفردية وقرينتها سيادة الإرادة العامة. ومع هذه السيادة المزدوجة لا يبقى للقانون حقيقة مستقلة بل يصبح الوسيلة التي تبتكرها القوة لتحقيق مآربها. وهكذا يدخل الفرد والجماعة في طور الالتحام الجوهري والطوعي مع السلطة التي هي هنا أعلى درجات القوة؛ وهو طور خطير بالنسبة إلى الوضع الحقيقي والنهائي لحقوق الإنسان. إننا أمام دكتاتورية لم يقم لها من قبل نظير في التاريخ: دكتاتورية الدولة المرتكزة على الطابع المطلق للحرية الفردية وعلى الديمقراطية وسيادة الأمة والتي تحقق أغراضها

بالقانون.

• • •

المقدمة:

يرتبط الوضع الذي تأخذه حقوق الإنسان بنوع العلاقات القائمة بين مكوِّنات المجتمع السياسي الثلاثة، الفرد والجماعة والسلطة؛ وهي علاقات تحدِّدها، في مجتمع سياسي معيَّن، الأسسُ التي يقوم عليها. ولا يمكن أبداً أن تأخذ حقوق الإنسان وضعاً معيناً، إيجابياً أو سلبياً، بمعزل عن طبيعة الدولة؛ فوضعها في نظام ثيوقراطي (1) غير وضعها في نظام ديمقراطي (2) ؛ ووضعها في دولة قانونية غير وضعها في دولة تسيطر فيها إرادة القابضين على السلطة.

وعلى الصعيد الدولي ترتبط حقوق الإنسان بطبيعة المجتمع الدولي ونظامه القانوني؛ فمصيرها في المجتمع الدولي التقليدي القائم على مبدأ سيادة الدولة غير مصيرها في مجتمع دولي ينطوي نظامه القانوني على طبيعة دستورية تقرِّب الدولة من شخص القانون

الداخلي. وعلى سبيل المثال فإن الفرد يتمتع في نظام السوق الأوروبية المشتركة بشخصية قانونية دولية لا يتمتع بها في نظام الأمم المتحدة؛ ونظام السوق يزوِّده بالقدرة القانونية التي يدافع بها عن حقوقه دفاعاً مباشراً على الصعيد الدولي.

لقد قدّمت الثورة الفرنسية التي نشبت في العام 1789 م والتي هي ثمرة المذهب الفردي إنموذجاً للمجتمع السياسي قائماً على تمجيد الفرد وتكريس الحرية والمساواة وبالتالي على سلطة الأمة؛ وكانت بذلك انتقاضاً على حق الملوك المقدس، الذي أحلّت محله حق الفرد، وعلى سلطانهم المطلق الذي أحلّت محله سلطان الأمة. وسوف نرى أن قيمتها العميقة ليست في مجرد تكريس الحرية والمساواة بل في إعطاء الحرية والمساواة مضموناً مبتكراً أصبحت معه الدولة صورة الإنسان الحر الذي يتمتع بكينونة مطلقة تخوِّله أن يفعل ما يشاء بالطريقة التي يشاء. ولاشك في أنها قد أقامت إنموذجاً للدولة لا عهد للإنسانية به من قبل؛ بل إنها قد افتتحت عالماً جديداً من الفكر والأخلاق والقانون والتنظيم السياسي والدولي. وإذا كانت جذورها أوروبية فإنها، من حيث أنها تؤصِّل نظام المجتمع السياسي ونظام حقوق الإنسان في الطبيعة الإنسانية الواحدة التي لا تختلف بين شعب وشعب ولا بين عصر وعصر، قد كانت إيذاناً بتغيرات عميقة، فكرية وأخلاقية وقانونية وسياسية، على صعيد العالم كله. وقد سرت آثارها في أوروبا ثم امتدت إلى سائر المجتمعات التي غزتها أوروبة ووقعت تحت هيمنتها السياسية والثقافية. وهكذا ظهرت نتائج الثورة الفرنسية على صعيد المجتمعات الوطنية وأنظمتها القانونية وعلى صعيد المجتمع الدولي ونظامه القانوني، وأصبح نظام حقوق الإنسان متأثراً على الصعيدين بهذه النتائج. ونستطيع أن نقول إن تاريخ حقوق الإنسان قد دخل منذ العام 1789 م عصر ما بعد الثورة الفرنسية التي أرادت أن تكون بداية جديدة للتاريخ الإنساني فألغت التقويم الميلادي وجعلت العام 1792 م هو السنة الأولى من التقويم الجمهوري أو الثوري.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣١٢