تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أكد الواقع اجتهاد مالك فقد فشل الخروج وقضي على الخارجين، وقتل محمد النفس الزكية وأذل أهل المدينة، فكان ذلك دليلا على سعة أفقه، وبعد نظره، واستحضاره لمآلات الأفعال وعواقب الأمور وهو يجتهد في ضوء ثوابت منهجه السياسي ليحدد مواقفه العملية.

وإن مما يدل على أنه كان يرى طاعة ائمة الجور للضرورة، وعدم الخروج لرجحان مفسدة الخروج على مصلحته ما ذكر في المدونة الكبرى: قال مالك: لا أرى بأسا أن يقاتل الروم مع هؤلاء الولاة. قال ابن القاسم وكان فيما بلغني عنه ولم أسمع منه أنه كان يكره قبل ذلك جهاد الروم مع هؤلاء-الولاة-حتى لما صنعت الروم ما صنعت قال: لا بأس بجهادهم.

وقال ابن القاسم: وأما أنا فقد ادركته وهو يقول: لا بأس بجهادهم مع هؤلاء الولاة ... لو ترك هذا لكان ضررا على أهل الإسلام (60) .

... فهو يكره ظلم الولاة لكنه لا يرى الخروج عليهم، ولعل كرهه للجهاد تحت رايتهم كان أول الأمرين منه، ثم بعد ذلك رأى رجحان مصلحة الاسلام والأمة في القتال تحت رايتهم، وهذا ما ذكره فقهاء المالكة فذكروا أنه يقاتل العدو مع كل بر وفاجر (61) ، وعللوا ذلك بأن في ترك الجهاد معهم ضرر على المسلمين (62) .

وذكر اللخمي حجة مالك في كرهه القتال تحت راية ولاة الجور، فقال:"وروي عن مالك: لا يجب الخروج معهم لكيلا يعينهم على ما يقصدون من الدماء" (63) .

فرجحان المفسدة في الخروج في نظره هو مستنده في عدم الخروج على أئمة الجور والاكتفاء يبذل النصيحة لهم، واعتماد منهج الاصلاح معهم، والله أعلم.

وقد، أحسن مالك في أنه لم يتجاوز دائرة النشاط السياسي الفكري الإصلاحي، ولم يؤيد الخروج المسلح، ذلك أن الدولة تعتمد الإسلام دستورا، والشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع، وإن كانت سلطة الحكم تسيء تطبيق التشريع وتجعل الخلافة وراثية.

كذلك، فإن الفئة التي تستهدف الخروج المسلح والاستيلاء على السلطة بالقوة المادية، قد تصبح أشد تمسكا بالسلطة متى تمكنت منها، وأكثر ظلما للشعب، فحري بمن يفتي بالخروج المسلح أن يضع في الحسبان هل سيلتزم الخارجون بالعدل بعد توليهم السلطة، وهل سيجعلون من الشعار مبدأ وواقعا تعيشه الأمة في حياتها، أو أنهم سيخلفون السلطة السابقة في الظلم وتعطيل سلطة الأمة.

هذا، وإن النظر إلى الواقع والمستقبل معا عند إرادة الفتوى بمشروعية الخروج المسلح يجعل المجتهد أكثر تهيبا وأشد تهربا من الفتوى بذلك.

لقد تجنب مالك الخروج وكان منهجه هو هجر كل نشاط سياسي معاد للسلطة السياسية واعتماد منهج الإصلاح من خلال المشاركة السياسية، أي قبول تسلم وظائف عامة وعليا في الدولة.

وفي نظر الباحث إن هجر مالك لمسلك الخروج المسلح إلى مسلك الإصلاح بالمشاركة السياسية كان نتيجة للأحداث السياسية في المجتمع آنذاك فقد أحدثت أضرارا بالغة بالأمة والدولة وبالدين والدعوة، فمن تلك الأضرار: تشديد الرقابة على الأمة بوجه عام وعلى العلماء بوجه خاص فأصبحت السلطة الحاكمة ترصد نشاطات العلماء وأصحاب الفكر، وتصنفهم إلى محايدين، وموالين، وأعداء.

كذلك، أحكمت السلطة الحاكمة قبضتها على الحكم، ولم تتورع في قمع مخالفيها، بل أصبح الحصار الفكري للمخالفين والتضييق عليهم، ومواجهتهم بالاعتقال والحبس أو الإعدام أبرز النشاطات الأمنية الداخلية، لذلك لعل مالكا ما كان له بد من هجر منهج معاداة السلطة الحاكمة، إلى اعتماد منهج المشاركة السياسية وسيلة للإصلاح، ولعله أدرك أن مصلحة الدين والأمة تقتضي ذلك، والمصلحة أصل من أصوله.

سابعا: موقفه من الجانب السياسي في طلب تأليف "الموطأ":

أولا: فكرة تأليف الموطأ لدى مالك وعنايته الفائقة به.

كان اتجاه العلماء الى تدوين الحديث وأقوال الصحابة والتابعين موجودا قبل مالك، قال البخاري: فأول مع جمع من ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حده الى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف مالك الموطأ، وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم (64) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٩٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٩٣٢