تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل العباسيين لم يكن يهمهم نية مالك وأنه لم يقصد التحريض على نقض البيعة لهم، ولكن كان يهمهم أن التحديث بهذا الحديث يودي إلى تحريض الناس على نقض البيعة، لأنه يشكل سندا شرعيا لهم في نقض البيعة، فلا يخافون إثما أخرويا بسبب نقض البيعة للعباسيين الذين اخذوها منهم بالإكراه، فالسلطة السياسية العباسية في مسألة الخروج المسلح كانت تقف عند المآلات ولا تعتد بالبينات.

فلعل أبا جعفر المنصور وواليه على المدينة لم يخافا نية مالك، ولكنهما كرها تحديثه به، لما لذلك من مآل خطير، وإن كان باعثه عليه حسنا، وأغضبهما منه عدم انصياعه للنهي بعدم التحديث بذلك الحديث فكان عدم مجرد التحديث به في نظرهما معصية وجريمة، ي ستحق بها العقاب.

خامسا:-منهجه في المشاركة السياسية (تولي وظائف الحكم والإدارة) :

روى الطبري أن أبا جعفر المنصور انتدب مالكا سنة 441هـ ليقوم بإقناع آل الحسن بن علي بتسليم محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم إلى أبي جعفر، وأرسل بصحبته قاضي المدينة محمد بن عمران (40) .

وينشأ هنا سؤال: كيف قبل مالك أن يتوسط تلك الوساطة السياسية لتسليم محمد وإبراهيم إلى أبي جعفر، ومصيرهما لو سلما إليه غير مأمون.

والجواب ربما وعد أبو جعفر مالكا أنه سيعفو عنهما لو سلما إليه أو مثلا بين يدية، فأغرى ذلك مالكا فقام بتلك المهمة، لا سيما وأنه كان يتشوف إلى إخراج محمد وإبراهيم من الضيق الذي فرض عليهما والخوف الذي ألبساه من ق ب ل أبي العباس السفاح فأبي جعفر المنصور.

ولعل قبول مالك التوسط بين أبي جعفر واعدائه السياسيين رشحه في نظر أبي جعفر لمنصب سياسي مهم ليس أحد في نظر أبي جعفر أقدر عليه وأصلح إليه من مالك، وهو منصب عام جوهره الرقابة العامة والمحاسبة النافذة في ناحية الحجاز كلها.

وفي عام 841هـ حج أبو جعفر، وكان قد أوعز بأن يكلف مالك بالحج والمثول بين يديه بمنى. وقد روي عن مالك من أمر هذه المقابلة مايأتي: فلما دنوت منه رحب بي وقرب، ثم قال: ههنا إلي. فأوفيت للجلوس. فقال: ههنا. فلم يزل يدنيني حتى جلست إليه وألصقت ركبتي بركبتيه، ثم كان أول ما تكلم به أن قال: والله الذي لا إله إلا هو ما أمرت بالذي كان، ولا علمته، وإنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني إخالك أمانا لهم من عذاب الله، وقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، فإنهم أسرع الناس للفتن، وقد أمرت بعدو الله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق وأمرت بضيق حبسه والاستبلاغ في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه (41) .

ويمكن القول: إن تلك المقابلة صنعت م دخلا لأبي جعفر إلى نفس مالك، فقد تضمنت الاعتذار من الخليفة لمالك للإهانة التي ألحقها به جعفر بن سليمان عند تسلمه ولاية المدينة سنة 641هـ وتضمنت الاعتراف بفضل مالك وعظيم قدره والثناء عليه لسيرته السياسية بعد محنته.

كذلك، أشار أبو جعفر إلى أنه عالم بمنهج مالك وعدم ميله الى النشاط السياسي المعادي، وحرصه على النشاط الإصلاحي وتجنبه كل ما من شأنه أن يهيج الأمة أو يوقض الفتنة، ولم يخف أبو جعفر رضاه عن مالك، واعترافه بأن منهج الإصلاح بالمناصحة وهجر الخروج له كبير الأثر في إقرار الأمن، وكان ابو جعفر يسعى لاقرار الأمن، لاسيما في المدينة التي كانت تمثل مركز خطر سياسي على السلطة العباسية، وكان ولاء عامة أهلها للخارجين وليس للسلطة الحاكمة، وكانوا قد تجرأوا على الاستنكاف عن الطاعة للعباسيين، حتى

وصفهم أبو جعفر بأنهم أسرع الناس إلى الفتنة ووصف مالكا بمنهجه الإصلاحي بالمناصحة بأنه أمان لهم من عذاب الله.

... ولعل أبا جعفر أيقن أن مالكا ناصح أمين، غير متطلع لشق عصى الطاعة ومعارضة الجماعة، عازف عن التكلم في السياسة، قدير على أداء ما يعهد إليه، لذلك عزم على منحه سلطة عامة رقابية ومحاسبية يخضع لها الناس جميعا في الحجاز بما فيهم الولاة والقضاة; فقال له:؛إن رابك ريب في عامل المدنية أو عامل مكة، أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك أو سوء سيرة في الرعية فاكتب إلي بذلك، أنزل بهم ما يستحقون، وقد كتبت إلى عمالي بهذا، وأنت حقيق أن تطاع ويسمع منك (42) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٩٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٩٢٩