تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه النزعة السلفية الإصلاحية عند السلطان المولى سليمان هي التي ألبت عليه مشايخ الزوايا فأقدوا نار الفتن في كافة المغرب بتمردهم على سلطته وبما عضدوا من الخارجين عليه. ولولا ذلك لعمت دعوته السلفية الإصلاحية أرجاء المغرب كله.

وهذه النزعة السلفية الإصلاحية عند السلطان المولى سليمان هي دفعت به إلى التجاوب، بجدية وإيجابية، وبصدق وإخلاص، مع دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب السلفية، ومن بعدها، مع دعوة الشيخ ابن الفودي على ما تقدمت به الإشارة. ولاشك أن ما كان يعرف المغرب، على عهده، من انتشار البدع، وفساد العقائد. وانطماس معالم السنن، كل أولئك كان، كذلك، مما زاد في احتفائه بالدعوة بعد أن استقصى أخبارها، وتحرى مضامينها فيما حمله إليه الحجاج عبر الرواية الشفوية وفيما وقع له من رسائل ووثائق حولها.

ويظهر أن السلطان المولى سليمان لم يكتف بهذا الرد على رسالة الإمام سعود فعقب عليها برسالة ثانية تولى تحريرها أحد أبرز علماء المغرب يومئذ، وهو العلامة الطيب بن عبد المجيد بن كيران، ومن ديباجة هذه الرسالة قوله يخاطب الإمام سعود:

(من ملكه الله أزمة العرب وقيادها، فأحسن سياستها، وأصلح سيرتها، ومهد بلادها، وتيسر وصول الحجاج والعمار والزوار إلى نيل الأوطار والآراب، فأضبح وقد أحرز بذلك الثناء والثواب، وحصل به في الدارين أفضل جزاء وحسن مآب..) . ثم عقب بالثناء على شخصية الأمير، والتنويه بجهوده في محاربة البدع ومناصرة السنن، فقال:

(وبعد فإنا نحمد إليكم الله الذي هداكم وهدى بكم، فلقد سرنا ما بلغنا عنكم من سيرتكم، وشيمكم، وأحوالكم من الزهد في الدنيا، وإحياء رسوم الدين، والحض على طريق السلف الصالح وسنن المهتدين، والحمل على إخلاص التوحيد لرب العالمين، وقطع البدع والضلالات، التي هي منشأ زيغ العقائد وكثرة الجهالات. وما برحنا نسمع عنكم ما قد أصبتم فيه كل الإصابة، ووافقتم فيه كتب العلماء ومذاهب السلف والصحابة، كما لا يخفى على (من مارس) موطأ الإمام مالك وما في الصحيحين، وطالع مسند الإمام الأوحد الزاهد أحمد بن حنبل أمير المؤمنين في الحديث بلامين) (1) .

ومن منطلق أن (مذهبنا - بعبارته - معشر المالكية مبني على ما أنتم عليه من سد الذرائع وإبطال البدع والمحدثات) شرع يعرض وجهة النظر فيما أثارته دعوة الشيخ من قضايا مثل قضية التكفير بذنب، والإستغاثة، والشفاعة، والدعاء عند القبر الشريف، وتقبيل المعظم شرعاً وغير ذلك.

وقد تحدثت المصادر التاريخية أن السلطان المولى سليمان كلف ولده الأمير إبراهيم بحمل رده على رسالة الإمام سعود إليه، فتوجه به صحبه وفد من كبار علماء المغرب في ركب الحاج عام 1226 هـ.

وقد وردت الإشارة بذلك في الرد الأول:

بعثت حجاج بيت الله قائدها

شوق يقود بلا سوق ولا خطم

وفيهم فلذة غراء من كبدي

أقمت خلفا في نيل مغتنم

كما وردت ضمن الرد الثاني في قوله مخاطباً الأمير سعود (اتضح لدينا قصدكم وخلوص طويتكم في الذب عند الدين، ولحقنا احتياطتكموحياطتكم للمسلمين ومنعكم الجار وإن جار ( ... ) وجهناهم - أي الحجاج - وأحللنا ولدنا وسطهم في هذه السنة ملتمسين أجر تلك الخطى وأن يحط بها عنا الوزر والخطا ... ) .

2 - رجالات العلم والفكر:

ويمكن تصنيفهم من حيث موقفهم من الدعوة إلى فريقين:

(1) مخطوطة الخزانة العامة.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٧٨