تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه الأزمنة التي نحن فيها أصبحت القوة المادية بأيديهم، والكنيسة في غايةٍ من القوة والتمكن من ناحية عدد الأتباع وكثرة الأموال وكثرة المناصرين، فلا يوجد أي توافقٍ بين الصورة الواقعية لحال النصارى الآن وبين السمة الظاهرة لهم في ((سفر دانيال)) و ((سفر الرؤيا)) ، وهي الاضطهاد والضعف وتسلط الأعداء عليهم.

ويزداد بطلان استدلال النصارى بهذين السفرين وضوحاً ويتأكد إذا علمنا أن كثيراً من النصارى يرى أن مجيء المسيح قد أزف وقرب جداً جداً، ولم يبق على مجيئه في زعمهم إلا سنوات قلائل، فمن ذا الذى يستطيع من ناحية القوة المادية في هذا الزمان أن يقاتل النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع المسيح والذين يعدون العدة لنصره واستقباله، مع ما يدعون من أن المسيح سينزل بقوات سماوية. لا شك أنه لا يوجد أي تجانس بين الصورتين والحالين: الماضية والحاضرة.

ولقد رأينا فيما سبق أن كثيراً من رجال الكنيسة المتقدمين كانوا يرون أن مجيء المسيح قريبٌ جداً من زمانهم، لأنهم يرون أن بمجيئه تنتهي متاعبهم ويتوقف اضطهادهم ويُكتب النصر لهم، إلا أن هذا اختلف لما تغيرت أحوال النصارى بدخول ولاة الرومان في ديانتهم، فصار غالب فِرَق النصارى الكبار يرون أن مجيء المسيح إنما هو للقيامة ومحاسبة الناس وينكرون الملك الأرضي الألفي، أما ماورد في ((سفر الرؤيا)) فإنهم يعتبرونه رموزاً غامضة تُفسر حسب ما تمليه العقيدة الكنسية، وإما أنها عبارة عن إخبار بأحداث قد انتهت وفرغ منها.

ومن هذا يتبين أن سفر الرؤيا لا يصح اعتماده مرجعاً لعدم كفاية الأدلة لصحة إسناده، وكذلك لما في نصه من الغموض الذي لا يتمكن معه الإنسان من تحديد مراد كاتبه، بل يجعل المجال مفتوحاً وواسعاً أمام جميع التخرصات، وبه ينتهي بيان ما يتعلق ببطلان دعاوى النصارى في مجيء المسيح (، وبه يتبين أن دعوى النصارى في مجيء المسيح كباقي دعاويهم الدينية، ليس فيها شيء من الحق، وإنما هي دعوى باطلة كافرة، بل هي من أشد الكفر وأظهره وأبطله والله تعالى أعلى وأعلم.

الخاتمة

الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد،

ففي ختام هذا البحث أجمل أهم النتائج التي توصلتُ إليها وهي:

أولاً - أن النصارى يقرون بأن المسيح (ارتفع إلى السماء، وأنه سينزل آخر الزمان.

ثانياً - أن دعوى النصارى في مجيء المسيح تختلف عن عقيدة المسلمين، حيث يعتقد المسلمون أنه صعد نبياً وسينزل نبياً، أما النصارى فيدَّعون أنه صعد إلهاً وسيعود إلهاً.

ثالثاً - أن النصارى اختلفوا في وقت نزول المسيح إلى قولين: فمنهم من كان يرى أن نزوله سيكون قريباً جداً من وقت صعوده، وعلى هذا مضى متقدمو النصارى، أما المتأخرون فصاروا يرون أن نزوله سيكون آخر الزمان.

رابعاً - أن النصارى منقسمون في الأحداث المرافقة لنزوله،فمنهم من يعتقد أن المسيح سيكوِّن مملكةً له على الأرض تدوم ألف سنة، ومنهم من يرى أنه لن يفعل ذلك، وأن ملكه سيكون في السماء بعد القيامة ومحاسبة الناس، ويفسرون الأحداث بأنها رموز للشر، ومنهم من يرى أن مُلكه في السماء، ويرى أن الأحداث الواردة في النصوص أحداث حقيقية لأشخاص حقيقيين سيكونون آخر الزمان.

خامساً - إن مصادر النصارى المعتمدة في دعاويهم الدينية غير موثقة فلا يمكن الاعتماد عليها، كما أن فهمهم للنصوص فيه مغالطات واضحة، وهو فهمٌ تمليه الأهواء، فلا يمكن بالتالي أن تقوم لأحدٍ منهم حجة واضحة ودليل قاطع في دعوى من الدعاوى الدينية.

سادساً - وخلاصة ذلك كله هو أن دعوى النصارى في مجيء المسيح على الكيفيات التي ذكروا وزعموا هي دعاوى عارية عن الدليل الصحيح فهي بالتالي باطلة.

وفي الختام نحمد الله عز وجل أولاً وآخراً على أن هدانا لهذا الدين، وحفظ لنا كلامه وكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه، وحفظ لنا سنة نبينا محمدٍ (، وأقام لنا ديننا محجةً بيضاء وطريقاً واضحاً ومسلكاً منيراً وأظهر ديننا على الدين كله، ونسأله سبحانه أن يثبتنا على الحق إلى يوم نلقاه، وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٧٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٧٠٢