تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في موضع آخر: (وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء للنوعين. ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشُّبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوّات، ورد النِّحَل الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتمّ الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بياناً. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك؛ ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه اللَّه تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عياناً بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم: بين علوم لا ثقة بها، وإنما هي آراء وتقليد، وبين ظنون كاذبة لا تغني عن الحق شيئاً، وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها؛ وبين علوم صحيحة قد وعّروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها، مع قلة نفعها.

إلى أن قال: وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرغب عما يضره، فيصير القلب محباً للرشد، مبغضاً للغي. فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلاَّ الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلاَّ اللبن، فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه ويؤيده ويفرحه، ويسره وينشطه ... ) (1) .

2 - ومن أدوية أمراض القلوب:

الإيمان وأوراد الطاعات، واجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات.

قال شيخ الإسلام رحمه اللَّه: (وهكذا أمراض الأبدان: فإن الصحة تحفظ بالمثل، والمرض يدفع بالضد، فصحة القلب بالإيمان تحفظ بالمثل، وهو ما يورث القلب إيماناً من العلم النافع والعمل الصالح، فتلك أغذية له ... ويضم إلى ذلك الاستغفار؛ فإنه من استغفر اللَّه ثم تاب إليه متعه متاعاً حسناً إلى أجل مسمى.

وليتخذ وِرداً من "الأذكار" في النهار، ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا يلبث أن يؤيده اللَّه بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه.

(1) انظر: إغاثة اللهفان (1/44-46) وقد ذكر ابن القيم رحمه اللَّه في عدة مواضع أهمية قراءة القرآن وإنه شفاء لما في الصدور. انظر: إغاثة اللهفان (1/15، 22، 70، 92) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٦٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٦٦١