تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن القيم رحمه اللَّه: (كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به كماله في حصول ذلك الفعل منه، ومرضه: أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له، حتى لا يصدر منه، أو يصدر مع نوع من الاضطراب ... ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة اللَّه ومحبته والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه، فكأنه لم يعرف شيئاً، ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة اللَّه، والشوق إليه، والأنس به؛ فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين، بل إذا كان القلب خالياً عن ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذاباً له ولابد، فيصير معذباً بنفس ما كان منعماً به من جهتين: من جهة حسرة فَوْته، وأنه حيل بينه وبينه، مع شدة تعلق روحه به، ومن جهة فَوْت ما هو خير له وأنفع وأدوم، حيث لم يحصل له، فالمحبوب الحاصل فات، والمحبوب الأعظم لم يظفر به، وكل من عرف اللَّه أحبه، وأخلص العبادة له ولابد، ولم يؤثر عليه شيئاً من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئاً من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب، وتعوّضت بمحبة غيره. وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يعرف به صاحبه، لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك انه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة؛ فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته..

إلى أن قال رحمه اللَّه: والمقصود: أن من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها، النافع إلى دائها الضار، فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك.

فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك.

وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء..) (1) .

المبحث الثاني: انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية

بعد أن عرفنا في المبحث الأول بعضاً من أمراض القلوب سواء أمراض الشبهات أو أمراض الشهوات لابد أن نعرف دواءها؛ لأن اللَّه عز وجل ما أنزل من داءٍ إلاَّ له دواء، فعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه، أن النَّبِيّ (قال: " ما أنزل اللَّه داءً إلاَّ أنزل له شِفاءٍ" (2) .

وسأذكر بعضاً من أدوية أمراض القلوب التي ذكرها شيخ الإسلام وابن القيم لعل اللَّه أن يعافي قلوبنا من كل داء، ونعوذ باللَّه من منكرات الأخلاق والأهواء.

1 - القرآن الكريم:

قال شيخ الإسلام رحمه اللَّه: (والقرآن شفاء لما في الصدور ومن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات ففيه من البينات ما يزيل الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب، فيرغبُ القلب فيما ينفعه ويرغب عما يضره، فيبقى القلب محباً للرشاد، مبغضاً للغي، بعد أن كان مريداً للغي، مبغضاً للرشاد، فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة، حتى يصلح القلب فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فُطر عليها، كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي، ويغتذي القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويؤيده كما يغتذي البدن بما يُنَمّيه ويقومه، فإن زكاة القلب مثل نماء البدن) (3) .

(1) انظر: إغاثة اللهفان (1/68-70) .

(2) أخرجه البخاري في صحيحه (7/11-12) ، كتاب الطب، باب ما أنزل اللَّه داء إلاَّ انزل له شفاء، وابن ماجة في سننه (2/1138) ، كتاب الطب، باب ما انزل اللَّه داء إلاَّ أنزل له شفاء (ح3439) .

(3) مجموع الفتاوى (10/95-96) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٦٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٦٥٩