تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى اللَّه ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلاَّ برضاه وقربه والأنس به، فيه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه يرجو، وله يخاف، فذكره قوته، وغذاؤه، ومحبته، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى اللَّه تعالى أبداً، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له، وعبادته وحده، فهو دائماً يضرب على صاحبه، حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذٍ يباشر روح الحياة، ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب، ولو لم يكن جزاء إلاَّ نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة.

قال بعض العارفين: " مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها؛ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة اللَّه والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته ...

إلى أن قال: ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره؛ إلاَّ بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر.

ومن علامات صحته: أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده.

ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.

ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقرت عينه وسرور قلبه.

ومن علامات صحته: أن يكون همه واحداً، وأن يكون في اللَّه.

ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحاً بماله.

ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك مِنَّة اللَّه عليه فيه وتقصيره في حق اللَّه.

فهذه ست مشاهد لا يشهدها إلاَّ القلب الحي السليم.

وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همَّه كله في اللَّه، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث. وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابِّه: الخلوة به آثر عنده من الخلطة إلاَّ حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قُرَّة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه) (1) .

وقال ابن القيم رحمه اللَّه في قصيدته المسماة الكافية الشافية:

فالقلب مضطر إلى محبوبه الأعلى فلا يغنيه حب ثان

وصلاحه وفلاحه ونعيمه تجريد هذا الحب للرحمن فإذا تخلى منه أصبح حائرا ويعود في ذا الكون ذا هيمان (2)

المبحث الثاني: ذكر أسباب حياة القلب وصحته

لما علمنا أن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب، وأن القلب الصحيح الحيَّ إذا عُرضت عليه القبائح نفَر منها بطبعه، وأبغضها ولم يَلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرّق بين الحسن والقبيح ...

وجب علينا معرفة أسباب حياة القلب وصحته، ومن هذه الأسباب ما يلي:

1 - قراءة القرآن الكريم وتدبره:

(1) انظر: إغاثة اللهفان (1/70-73) .

(2) انظر: شرح القصيدة النونية (2/447) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٦٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٦٣٣