كذلك لم تُعْرَف التوقيعات في عهد الرسول -- صلى الله عليه وسلم --؛ لأن الكتابة أيضًا لم تكن شائعة، وقد جاء الإسلام وليس يكتب بالعربية غير سبعة عشر شخصًا ( [73] ) .
ولعل أقدم ما أثر من توقيع في تاريخ الأدب العربي ما كتب به أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – إلى خالد بن الوليد – رضي الله عنه – حينما بعث للصديق خطابًا من دومة الجندل يطلب أمره في أمر العدو، فوقع إليه أبو بكر:» ادن من الموت توهبْ لك الحياة « ( [74] ) .
ثم شاعت التوقيعات في عهد عمر وعثمان وعلي – رضي الله عنهم -، لشيوع الكتابة، وامتد هذا الشيوع بصورة أوسع في عصر بني أمية.
ولذلك نلحظ أن التوقيعات فن أدبي نشأ في عصر صدر الإسلام، وليس صحيحًا ما ذهب إليه بعض مؤرخي الأدب العربي من أن التوقيعات فن أدبي عباسي، أخذه العباسيون من الفرس ( [75] ) .
التوقيعات في عصر صدر الإسلام:
مرّ بنا أن التوقيعات عرفت في الأدب العربي أول ما عرفت في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، والسبب في ذلك شيوع الكتابة بعد أن أقبل المسلمون على تعلمها، وأصبح الذين يجيدونها يمثلون شريحة كبيرة. يضاف إلى ذلك استخدام الكتابة في تحبير الرسائل، وتبليغ أوامر الخليفة وتوجيهاته إلى الولاة والقواد في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية.
ويعد الخليفة الراشد أبو بكر الصديق أول من استعمل التوقيعات في تاريخ الأدب العربي، وفي التاريخ الإسلامي، غير أنّ التوقيعات التي أثرتْ عنه ووصلت إلينا قليلة، لا نستطيع أن نبني عليها حكمًا أدبيًا.
واستخدم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – هذا الفن في مكاتباته لرجال الدولة من ولاة وقواد.
ومن توقيعاته أن سعد بن أبي وقَّاص – رضي الله عنه – كتب إليه من الكوفة – وكان واليًا عليها – يستأذنه في بناء دار الإمارة، فوقّع في أسفلِ كتابه:» ابن ما يُكِنُّكَ من الهواجِرِ، وأذى المطر) ( [76] ) ، وفي روايةٍ (ابن ما يستر من الشمسِ، ويُكِنُ من المطر « ( [77] ) .
ووقع في كتاب عمرو بن العاص:» كن لرعيتك كما تحبُّ أن يكونَ لك أميرُك « ( [78] ) .
وأثرت لعثمان بن عفان – رضي الله عنه – بعض التوقيعات، من ذلك أن نفرًا من أهل مصر كتبوا إليه يشكون مروان بن الحكم، وذكروا أنه أمر بوَجءِ ( [79] ) أعناقهم، فوقع في كتابهم: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ( [80] ) .
ووقع في قصة رجل شَكَا عَيْلةً ( [81] ) :» قد أمرنا لك بما يُقيمك، وليس في مالِ الله فَضْلٌ للمسرفِ « ( [82] ) .
وما وصل إلينا من توقيعات الخليفة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أكثر مما بلغنا من توقيعات أبي بكر وعمر وعثمان؛ فمن توقيعاته ما وقَّع به إلى طلحة بن عبيد الله ( [83] ) - رضي الله عنه –» في بيته يُؤْتى الحكم « ( [84] ) .
وكتب الحسن أو الحسين إليه في شيءٍ من أمر عثمان - رضي الله عنه – فوقع إليه:» رأي الشيخ خيرٌ من مَشْهدِ الغلام « ( [85] ) .
ووقع في كتاب سلمان الفارسي – وكان سأله كيف يُحاسب الناسُ يوم القيامة –» يحاسبون كما يرزقون « ( [86] ) .
ووقع في كتاب أتاه من الأشتر النخعي ( [87] ) فيه بعض ما يكره» مَنْ لك بأخيك كله ( [88] ) ؟! «.
ووقع في كتابٍ لصعصعةَ بن صُوحانَ ( [89] ) يسألُه في شيءٍ:» قيمة كل امرئٍ ما يحسن « ( [90] ) .
وكتب إليه الحُضَيْن بن المنذر ( [91] ) في صفين يذكر أن السيف قد أكثر في ربيعة، وبخاصةٍ في أسرى منهم، فوقع إليه:» بقيةُ السيفِ أنمى عددًا « ( [92] ) .
ونلحظ أن التوقيعات التي أثرت عن الخلفاء الراشدين ووصلت إلينا تمتاز ببلاغة الأداء ووجازة التعبير، وموافقتها للصواب. وقد يكون التوقيع يوقع به الخليفة آية قرآنية، أو مثلاً سائرًا أو حكمة، أو قولاً بليغًا يجري مجرى الحكمة أو المثل.