تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مَقَالَ مُذَكِّرٍ ما قد نسيهِ

ألا قُلْ للوزير فَدتْه نَفْسِي

(ألا مَوْتٌ يباعُ فأشتريهِ)

أتذكرُ إذ تقول لضنْكِ عَيْشٍ:

فلما قرأ المهلبي الأبيات تذكر صحبة رفيقه، وفضله عليه، وهزته أريحية الكرم ورعاية حق الصحبة، وردّ الفضل لأهله والمعروف لمستحقيه.

إنّ الكرامَ إذا ما أَسهَلُوا ذَكَروا مَنْ كان يألفُهمْ في المنزلِ الخَشِنِ ( [56] )

فأمر له بسبع مئة درهم، ووقَّع في رقعته قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾ ( [57] ) .

ثم دعاه وأكرمه، وقَلده عملاً مناسبًا يرتزق به ( [58] ) .

والتوقيع الذي وقعه المهلبي على رقعة صاحبه (الآية القرآنية الكريمة) يبدو مطابقًا تمامًا لفحوى القصة ومضمونها، أعطاه رفيقه درهما في وقت الضيق والشدة، فأعطاه هو سبع مئة درهم في وقت السعة والرخاء تحقيقًا لما في الآية الكريمة.

ومن ذلك ( [59] ) ما كتب به عامل إرمينية إلى المهدي الخليفة العباسي يشكو إليه سوء طاعة الرعية، فوقع المهدي في خطابه قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ( [60] ) . والتوقيع بألفاظ القرآن حسن في الجدّ من الأمور، محظور في المُزْح والمطايبة ( [61] ) .

2- وقد يكون التوقيع بيت شعر. من ذلك ( [62] ) ما كتب به قتيبة بن مسلم الباهلي إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي يتهدده بالخلع، فوقع سليمان في كتابه:

زعمَ الفرزدقُ أن سَيَقْتُلُ مِرْبَعًا أبشرْ بطولِ سلامةٍ يا مِرْبَعُ ( [63] )

وكتب ( [64] ) ألفونس السادس ملك قَشْتالةَ إلى يوسُف بن تاشِفين أمير المرابطين في الأندلس يتوعده ويتهدده، فوقع يوسف في كتابه بيت أبي الطيب المتنبي:

ولا كُتْبَ إلا اَلمْشَرفِيَّةُ والَقنَا ولا رُسُلٌ إلا الخميسُ الَعْرمْرَمُ ( [65] )

3- وقد يكون مثلاً سائرًا. من ذلك ما وقع ( [66] ) به علي بن أبي طالب

– رضي الله عنه – إلى طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -:» في بيته يؤتى الحكم) ( [67] ) «.

ومن ذلك أيضًا ما وقَّع به يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وقد أُخبر يزيد أنه يتلكأ في مبايعته بالخلافة:» أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي فاعتمد على أيهما شئت « ( [68] ) .

4- وقد يكون التوقيع حكمة، من ذلك ما وقع به السفاح الخليفة العباسي الأول في رقعة قوم شكوا احتباس أرزاقهم:» من صبر في الشدة شارك في النعمة « ( [69] ) .

وكتب إبراهيم بن المهدي إلى الخليفة المأمون يعتذر إليه مما بدر منه من خروجه عليه، ومطالبته بالخلافة، فوقع المأمون في كتابه:» القدرةُ تُذْهِبُ الحفيظة، والندم جزء من التوبة، وبينهما عفو الله « ( [70] ) .

5- وقد يكون التوقيع غير ذلك، رفعت إلى يحيى بن خالد البرمكي رسالة ركيكة العبارة، كتبت بخط جميل فوقع:» الخط جسمٌ روحه البلاغة، ولا خير في جسمٍ لا روحَ فيه « ( [71] ) .

ووقع ابنه جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي لبعض عماله:» قد كَثُرَ شاكوكَ، وقل شاكروك، فإما عَدَلْت، وإما اعتزلت « ( [72] ) .

متى وجدت التوقيعات في الأدب العربي؟:

التوقيعات فن أدبي نشأ في حضن الكتابة، وارتبط بها، ولذلك لم يعرف عربُ الجاهلية التوقيعات الأدبية ولم تكن من فنون أدبهم؛ لسبب يسير وهو أن الكتابة لم تكن شائعة بينهم، بل كان الذين يعرفون الكتابة في هذا العصر قلة نادرة، لذلك فإن الأدب الجاهلي يتضمن الفنون الأدبية القائمة على المشافهة والارتجال، كالشعر، والخطابة، والوصية، والمنافرة، وغيرها من الفنون القولية القائمة على ذلاقة اللسان، والبراعة في الإبانة والإفصاح، وإصابة وجه الحق ومفصل الصواب كالحكم والأمثال.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٣٤٥