تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخلص إلى ذكر أهم مرجع حديث عني بتدوين التوقيعات في عصر الخلفاء الراشدين وفي العصر الأموي، وفي العصر العباسي الأول، وهو كتاب (جمهرة رسائل العرب) ، لأحمد زكي صفوت، الذي أشرت إليه في مقدمة البحث.

تضمن الجزء الأول قدرًا يسيرًا من توقيعات الخلفاء الراشدين ( [37] ) . واشتمل الجزء الثاني على ما دونه من توقيعات خلفاء دولة بني أمية، ومن اتصل بهم بسبب ( [38] ) .

أما الجزء الرابع فدون فيه المؤلف التوقيعات في العصر العباسي الأول (132 – 232هـ) . وما ذكر منها في هذا الجزء يفوق ما ذكر في الجزأين السابقين. وهذا دليل على ازدهار هذا الفن الأدبي في العصر العباسي ( [39] ) .

غير أنه أهمل إثبات شيء من التوقيعات في العصر العباسي الثاني (232 – 334هـ) ، والعصر العباسي الثالث (334 – 447هـ) ، ولم يذكر شيئًا من التوقيعات في المغرب العربي والأندلس. وبذلك يحتاج عمله إلى تكملة واستدراك.

ومما ينبغي أن يشار إليه أن الكتاب اقتصر على جمع التوقيعات من مصادرها المختلفة دون أن يشفع ذلك بدراسة أدبية عنها. ولسنا نطالب المؤلف بذلك ما دام قد اقتصر في منهجه على الجمع فقط. ولكن يُعَد ما عمله رائدًا في ميدانه؛ فقد أصبح الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين والدارسين وأساتذة الأدب في الجامعات.

التوقيع في اللغة:

يطلق التوقيع في اللغة على عدة معان، حقيقية وأخرى مجازية، حسية ومعنوية. ذكرتها معجمات اللغة، كالصحاح، والأساس، واللسان، والقاموس، والتاج.

فالواو والقاف والعين أصل واحد يرجع إليه فروعه وما يشتق منه، ويدل في عمومه على سقوط شيء ( [40] ) على التحقيق أو التقريب.

ولكنّ المعاني التي ذكرتها كتب اللغة للفظة التوقيع لا تهمنا في هذا المجال، وإنما يهمنا المعنى اللغوي الذي نجد له ارتباطًا بالتعريف الاصطلاحي للتوقيعات، وبعبارة أخرى المعنى اللغوي الذي اشتقت منه التوقيعات بعدها فنًا أدبيًا.

التوقيعات مشتقة في اللغة من التوقيع الذي هو بمعنى التأثير، يقال: وقَّعَ الدَّبرُ ( [41] ) ظهرَ البعير إذا أثر فيه، وكذلك الموقِّع (كاتب التوقيع) يؤثر في الخطاب، أو الكتاب الذي كتب فيه حسّا أو معنى ( [42] ) .

وقيل: إن التوقيع مشتقٌ من الوقوع؛ لأنه سبب في وقوع الأمر الذي تضمنه، أو لأنه إيقاع الشيء المكتوب في الخطاب أو الطلب، فتوقيع كذا بمعنى إيقاعه ( [43] ) .

قال الخليل ( [44] ) :» التوقيع في الكتاب إلحاقٌ فيه بعد الفراغ منه. واشتقاقه من قولهم: وقّعْتُ الحديدة بالميقعة، وهي المطرقة: إذا ضربتها، وحمار موقَّع الظهر: إذا أصابته في ظهره دَبَرَةٌ. والوقيعة: نُقْرَةٌ في صخرة يجتمع فيها الماء، وجمعها: وقائع. قال ذو الرمة:

ونلْنَا سِقَاطًا من حديثٍ كأنَّهُ جَنىَ النحلِ ممزوجًا بماءِ الوقائعِ ( [45] )

فكأنه سُمِّى توقيعًا؛ لأنه تأثير في الكتاب، أو لأنه سببُ وقوع الأمر وإنفاذه، من قولهم: أوقعت الأمر فوقع ( [46] ) «.

وأميل إلى ترجيحِ السبب الأخير؛ لأن التوقيع يتضمن إجراءًا يلزم تنفيذه.

وقال ابن الأنباري:» توقيع الكاتب في الكتاب المكتوب أن يجمل بين تضاعيف سطوره مقاصد الحاجة، ويحذف الفضول. وهو مأخوذ من توقيع الدَّبَرِ ظهر البعير؛ فكأن الموقِّع في الكتاب يؤثر في الأمر الذي كتب الكتاب فيه ما يؤكده ويوجبه « ( [47] ) .

التوقيع في الاصطلاح:

وقد اكتسبت التوقيعات في الإسلام معنىً اصطلاحيًا يرتبط بالمعنى اللغوي الذي ذكرناه، فأصبحت تستعمل لما يوقعه الكاتب على القضايا أو الطلبات المرفوعة إلى الخليفة أو السلطان أو الأمير، فكان ( [48] ) الكاتب يجلس بين يدي الخليفة في مجالس حكمه، فإذا عرضت قضية على السلطان أمر الكاتب أن يوقع بما يجب إجراؤه، وقد يكون الكاتب أحيانًا السلطان نفسه.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٣٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٣٤٣