تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 رأي ابن مالك:

إن اختيار البصريين إعمال الثاني دون الأول، لسببين هما: كثرة الضمائر إذا أعملنا الأول، ثم تأخير المتعلقات بالأول بعد الثاني، أي الفصل بين العامل وهو الفعل الأول ومعمولاته بالفعل الثاني. وقد لاحظ ابن مالك في شرحه على التسهيل أن إعمال الثاني هو الذي جاء كثيرًا في كلام العرب، ( [116] ) واستدلّ على ذلك بقول سيبويه في التنازع: " ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت ضربت وضربوني قومك وإنما كلامهم: ضربت وضربني قومك". ( [117] )

4 رأي أبي حيان:

ويقول أبو حيان: " إن إعمال الأول قليل، ومع قلته لا يكاد يوجد في غير الشعر، بخلاف إعمال الثاني فإنه كثير الاستعمال في النثر والنظم. وقد تضمنه القرآن المجيد في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُوْنَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيْكُمْ فِيْ الكَلاَلَةِ ... ﴾ [النساء: 176] ، وقوله تعالى: ﴿آتُوْنِيْ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ } [الكهف: 96] ، وقوله جل وعز ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوْا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:19] ، وقوله أيضا ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوْا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا﴾ [الجن: 7] ، ولو أعمل الأول لجاءت الآيات الكريمة على هذا النسق: يفتيكم فيها الكلالة، وآتوني أفرغه قطرا، وهاؤم اقرءوه كتابيه، وأنهم ظنوا كما ظننتموه" ( [118] ) ، بالإضمار على قاعدتهم.

ويقول أبو حيان أيضا في تفسير البحر المحيط: أعمل الثاني على الأفصح، وعلى ما جاء في القرآن، وإعمال الأول لم يرد في القرآن لقلته. ( [119] )

5 رأي الرضي:

ويقول الرضي: إعمال الثاني أكثر في كلام العرب بالاستقراء. وكل ما جاء من أساليب التنازع في القرآن فإنما أعمل فيه الثاني وأهمل الأول، على ما هو المختار عند البصريين ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني ما يطلبه عند الجميع. ( [120] )

6 رأي عباس حسن:

يرى عباس حسن أنه يعدّ " باب (التنازع) من أكثر الأبواب النحوية اضطرابا، وتعقيدا، وخضوعا لفلسفة عقلية خيالية. ليست قوية السند بالكلام المأثور الصحيح، بل ربما كانت مناقضة له.

فأما الاضطراب فيبدو في كثرة الآراء والمذاهب المتعارضة التي لا سبيل للتوفيق بينها أو التقريب". ( [121] )

يتجلى هذا في أن بعضها يجيز حذف المرفوع كالفاعل، وبعضها لا يجيز. وفريق يجيز أن يشترك فعلان أو أكثر في فاعل واحد. وفريق يمنع.

وطائفة تبيح الاستغناء عن المعمولات المنصوبة، وعن ضمائرها. وطائفة تبيح حذف ما ليس عمدة الآن أو في الأصل وفئة تحتم تقدير ضمير المعمول متأخراً في بعض الصور وفئة لا تحتم، فليس بين أحكام التنازع حكم متفق عليه أو قريب من الاتفاق. ( [122] )

وأما التعقيد فلما أوجبوه مما ليس بواجب، ولا شبه واجب، فقد حتموا أن يكون ضمير الاسم المتنازع فيه واجب التأخير عنه حينا في رأي كثرتهم فرارا من الإضمار قبل الذكر، ومتقدمًا حينًا آخر إذا تعذر تأخيره لسبب ما تخيلوه. ( [123] )

ولقد نشأ من مراعاة أحكامهم هذه أساليب بلغت الغاية في القبح، لا ندري: ألها نظير في الكلام العربي، أم ليس لها نظير؟ كقولهم: (استعنتُ واستعان علي زيد به) و (ظننتُ مطلقة وظنتني منطلقا هند إياها)

و (أعلمني وأعلمته إياه إياه زيد عمرا قائما) و (أعلمتُ زيدًا عمرا قائما إياه إياه) وهذا قليل من الأمثلة البغيضة التي لا يطمئن المرء أن لها نظائر في الأساليب المأثورة. ( [124] )

وأما الخضوع إلى الفلسفة العقلية الوهمية فواضح في عدد من مسائل هذا الباب، منها تحتيمهم التنازع في مثل: قام وذهب محمدٌ، حيث يوجبون أن يكون الفاعل: (محمد) لأحد الفعلين، وأما فاعل الآخر فضمير، ولا يبيحون أن يكون لفظ (محمد) فاعلا لهما، بحجة" أن العوامل كالمؤثرات فلا يجوز اجتماع عاملَيْن على معمول واحد، ولا ندري السبب في منع هذا الاجتماع مع إباحته لو قلنا: قام محمد وذهب؛ فإن فاعل الفعل (ذهب) ضمير يعود على محمد فمحمد في الحقيقة فاعل الفعلَين؛ ولا يقبل غير هذا. ( [125] )

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٢٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٢٦٤