" وأما قولهم:" لو أعملنا الثاني لأدّى إلى الإضمار قبل الذكر" فنقول: إنما جوّزنا ههنا الإضمار قبل الذكر لأن ما بعده يفسّره لأنهم قد يستغنون ببعض الألفاظ عن بعض إذا كان في الملفوظ دلالة على المحذوف لعلم المخاطب، قال تعالى: ﴿وَالحَافِظِيْنَ فُرُوْجَهُمْ وَالحَافِظَّاتِ وَالذَّاكِرِيْنَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَالذَّاكِرَاتِ ... ﴾ [الأحزاب:35] ، فلم يعمل الآخر فيما عمل في الأول استغناءً عنه بما ذكره قبل ولعلم المخاطب أن الثاني قد دخل في حكم الأول، وقال الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىْءٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ وَرسُوْلُهُ ... ﴾ [التوبة:3] ، فاستغنى بذكر خبر الأول عن ذكر خبر الثاني". ( [75] )
وأما قولهم: أنا رأينا العرب تراعي المتقدم في قولهم: " عندي ثلاثة ذكور من البط ... " " فنقول: ما ذكرتم دليل لنا لا لكم؛ لأن العرب راعت فيه الأقرب إلى العدد فذكرته إذا تقدم (الذكور) أقرب إليه، وأنَّثتْه إذا تقدم (البط) لقربه منه أيضا، ثم ذكرتم معارض بقول العرب: (علمتُ لزيدٌ منطلقٌ، وعلمتُ أزيدٌ منطلقٌ، وعلمتُ ما زيدٌ منطلقٌ) ، فإنهم راعوا الثاني في اللفظ لقربه دون الأول". ( [76] )
وأما قولهم:" القَسَم والشرط إذا اجتمعا فإن العرب تبني الجواب على الأول ... " فنقول:" إذا اجتمع طالبان فلا يخلو إما أن يكونا عاملَيْن أو ليسا كذلك، فإن لم يكونا عاملَيْن فقد يكون الأمر كما ذكرتم في اجتماع الشرط والقسم من مراعاة الأول وقد يراعي الثاني كما ذكرنا في: علمت أزيد منطلق، وأما إذا كان الاثنان عاملين فإنما تعمل العرب الثاني منهما، بدليل قولنا: إن لم يقم زيدٌ قمتُ، فإنه لما اجتمع حرف الشرط و (لم) وهما جازمان، جزمت الفعل (بلم) دون (إِنْ) بدليل وقوع جواب الشرط فعلاً ماضيًا في فصيح الكلام، ولو كان الجزم (بإن) لما وقع جواب الشرط ماضيًا وقد عمل حرف الشرط في الفعل إلا في الشعر على الأصح، فعرفنا أن العمل ل (لم) دون (إِنْ) وإذا لم يكن إعمال الثاني هنا واجبًا كما كان في اجتماع (إن ولم) فلا أقل من أن يكونَ أولى". ( [77] )
إن احتاج الأول إلى مرفوع ففي المسألة ثلاثة مذاهب:
1 مذهب سيبويه (180هـ) :الإضمار قبل الذكر. ( [78] )
2 مذهب الكسائي (ت: 189هـ) : " الكسائي وهشام الضرير والسهيلي من الكوفيين يوجبون الحذف للضمير المرفوع على الفاعلية أو شبهها هربًا من الإضمار قبل الذكر وتمسكًا بظاهر قول علقمة بن عبدة يمدح الحرث ابن جبلة الغساني:
رِجَالٌ فَبَذَّتْ نَبْلَهُمْ وَكَلِيْبُ" ( [79] )
تَعَفَّقَ بِالأَرْطَى لَهَا وَأَرَادَهَا
قد استشهد جماعة من النحاة منهم الكسائي وهشام من الكوفيين والسهيلي وابن مضاء من المغاربة على أنه إذا أعمل ثاني العاملَيْن في لفظ المعمول وأعمل الأول في ضميره، وجب حذف هذا الضمير ولو كان الضمير مرفوعًا، لئلا يلزم على ذكره عود الضمير على متأخر، وقد جرى في هذا البيت على هذا، فقوله (رجال) فاعل بقوله (أرادها) وحذف ضمير الرجال من (تعفق) ولو أظهره لقال (تعفقوا) وأرادها رجال". ( [80] ) وكذلك قال ذو الرمة: ( [81] )
ثلاثُ الأثَافِي والرسُومُ البلاقِعُ
وَهَلْ يَرْجِعُ التسليمَ أو يَكْشِفُ العَمَى
ولو أضمر فاعل الفعل الأول لقال: أو يكشفن، إذ الفرق بين مذهب سيبويه رحمه الله تعالى ومذهب الكسائي إنما يظهر بالتثنية والجمع، فيبرز الضمير فيهما على مذهب سيبويه رحمه الله، وأما على مذهب الكسائي فالإفراد والتثنية والجمع بمنزلة واحدة لحذف الفاعل.
إن الذي يدل على صحة مذهب سيبويه أنه قد حكى من كلام العرب: ضربوني وضربت قومك وضرباني وضربت الزيدين، وهذا لا يخرج إلا على مذهب سيبويه. وأما هذان البيتان فقد يتخرجان على أن يكون الضمير فيهما عائدًا على الجمع بلفظ المفرد، فاستتر كما يستتر في حال الإفراد، والدليل من كلام العرب على جواز عود الضمير على المثنى والمجموع على حد عوده على المفرد ما حكي من كلام العرب هو أحسنُ الفتيان وأجملُهُ وأحسن بني أبيه وأنبله ( [82] ) . وقد كان ينبغي أن يقول: وأجملهم وأنبلهم، فأجري ذلك مجرى المفرد. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِىْ الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيْكُمْ مِمَّا فِيْ بُطُوْنِهِ ... ﴾ [النحل:66] ولم يقل في بطونها. ( [83] )