تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحرف العاشر: حرف العطف (99) (إمَّا)

وهذا الحرف يُظهِر صفةً هامةً من صفات التركيب، وهي أنَّ الحرف إذا تركَّب مع حرفٍ آخر فإنَّه لا يصحُّ بحال استخدام أحدهما دون الآخر ليؤدِّي المعنى الذي كانا يؤدِّيانه معاً، وبهذا الفرق تختلف (إمَّا) العاطفة عن (إمَّا) الشرطية؛ حيث إنَّ كليهما مكوَّن من " إنْ " الشرطية و " ما " الزائدة، إلَّا إنَّ زيادة " ما " في الشرطية ليست واجبة، أمَّا زيادتها في العاطفة فواجبة (100) ، يقول المبرِّد (101) ، (إنَّ " إمَّا " هذه إنَّما هي " إنْ " ضُمَّت إليها " ما " لهذا المعنى، ولا يجوز حذف " ما " منها إلَّا أن يضطرَّ إلى ذلك شاعر … فأمَّا في المجازاة إذا قلت: إن تأتني آتك، وإن تقم أقم، فإنَّك إن شئت زدت " ما " كما تزيدها في سائر حروف الجزاء…فتقول على هذا إن شئت: إمَّا تأتني آتك، وإمَّا تقم أقم معك) (102) .

وإنَّما قالوا إنَّ أصل (إمَّا) العاطفة " إنْ " الشرطية تركَّبت مع " ما " (لأنَّ المعنى في قولك: قام إمَّا زيد وإمَّا عمرو؛ وإنْ لم يكن قام زيد فقد قام عمرو) (103) ، ولكنَّها مع هذا ابتعدت كثيراً بعد التركيب عن معنى الشرط؛ وذلك حينما أدَّت ما تؤديه (أو) العاطفة (104) من معنى " الشكِّ " في نحو: جاء إمَّا زيد وإمَّا عمرو ومعنى " الإبهام "؛ في نحو قوله عز وجل:

﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة 106]

ومعنى " التخيير "؛ في نحو قوله تعالى:

﴿إمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف86]

ومعنى " الإباحة "؛ في نحو قوله تعالى:

﴿فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً﴾ [محمَّد 4]

ومعنى " التفصيل "؛ في نحو قوله تعالى:

﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإمَّا كَفُورًا﴾ [الإنَّسان 3]

وكلَّها معانٍ لا يمكن أن تؤدِّيها (إنْ) وهي مفردة بسيطة.

وبعد هذا العرض المفصَّل لتركيب هذه الحروف وموقف النحاة منه نتوقف الآن لنستخلص أهمَّ الآثار التي يحدثها التركيب في حروف المعاني بالإضافة إلى تغيير معانيها، والتي من أهمها:

-قلب معنى الحرف من النفي إلى الإيجاب؛ وذلك كما في حرف النفي (لا) عندما تركَّب مع همزة الإنكار، وأصبحا يدلاَّن على التنبيه والاستفتاح.

-قلب معنى الحرف من الإيجاب إلى النفي؛ وذلك كما في (أنْ) الناصبة للفعل المضارع الدالة على إمكان الفعل، فإنَّها بعد أن تركَّبت مع (لا) عادت تدلُّ على نفي إمكان الفعل.

-إمكانية الوقوف على الحرف بعد أن كان يمتنع الوقوف عليه بتاتاً؛ وذلك كما في حرف العطف (بل) عندما تركَّب مع (الألف) ، وأصبح حرفَ جوابٍ يوقَف عليه كباقي حروف الجواب.

-استغناءحرف الجرِّ عمَّا كان يتعلَّق به؛ وذلك كما في حرف التشبيه (الكاف) عندما تركَّب مع (إنَّ) ، فإنَّه أصبح له صدر الجملة، ولم يعدْ بحاجة لشيءٍ متقدِّم عليه يتعلَّق به.

-جواز حذف الفعل بعده إذا دلَّ عليه دليل بعد أن كان فعله لا يُحذف إلاَّ في الضرورة؛ وذلك كما في حرف الجزم (لم) عندما تركَّب مع (ما) الزائدة، فقد أصبح من الممكن أن يُقال معه: شرف زيدٌ المدينةَ ولمَّا، أي: ولمَّا يدخلها.

-انقلاب الحرف اسماً؛ وذلك كما في (لم) عندما تركَّب مع (ما) ، فقد عُدَّ ظرفاً بمعنى (حين) في نحو: لمَّا جئتَ جئتُ.

-انقلاب الاسم حرفاً؛ وذلك كما في الظرف (إذ) عندما تركَّب مع (ما) ، فإنَّه أصبح حرف شرطٍ يدلُّ على الزمن المستقبل بعد أن كان ظرفاً للزمن الماضي.

-فَقْدُ الحرف لعمله؛ وذلك كما في حرف العطف (إمَّا) المركَّب من

(إن) الشرطيَّة و (ما) الزائدة، فإنَّ (إنْ) بعد التركيب ابتعدت كثيراً عن معنى الشرط وعمله، وأصبحت تؤدِّي معاني (أو) العاطفة من شكٍّ وإبهامٍ وتخييرٍ وإباحةٍ وتفصيل ...

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٢٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٢٢١