وقد دأب المسؤولون الأتراك على التقليل من أهمية تلك الاتفاقية، وكذلك على التأكيد على أنها لا تشكل تحالفاً بين إسرائيل وتركيا، وليست موجهة ضد طرف ثالث هو الطرف العربي والإسلامي، وأنها تماثل اتفاقيات التدريب والتعاون العسكري التي وقعتها تركيا مع العديد من الدول. وهذا التفسير لا يعول عليه لأسباب وعوامل عديدة من أهمها (21) :
1- أن الاتفاقية تسمح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق في أجواء تركيا، وهذا الأمر غير مسموح به في الاتفاقيات التي وقعتها تركيا مع الدول الأخرى.
2- لم تعلن بنود الاتفاقية جلها رسمياً، حتى أنه لم يعلن عنها شيئاً إلا في نيسان 1996م -ذو القعدة 1416هـ، أي بعد أكثر من شهرين من إبرامها، حيث سربت بعض بنودها في الصحف التركية والإسرائيلية، وهناك بنود بقيت سرية.
3- هناك أطراف عربية وإسلامية مستهدفة في الاتفاقية العسكرية الإسرائيلية – التركية، وبخاصة سوريا، التي تعد من وجهة نظرهما " داعمة للإرهاب " وتسعى لإيجاد توازن استراتيجي معهما، إضافة إلى خلافاتهما العميقة حول الحدود والمياه، معها.
4- أثبتت مجالات التعاون العسكري الإسرائيلي – التركي، والتي تميزت بالشمول والتنوع، كما سيشار إلى ذلك بالتفصيل فيما بعد، بأن التصريحات المشتركة لهما بشأن تعاونهما العسكري غير صحيحة ومتناقضة، هدفها التضليل عن أهمية وخطورة ذلك التعاون.
ومن المؤشرات الهامة على تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وبخاصة في المجال الأخير، الزيارات المتبادلة بين الطرفين. ففي أعقاب التوقيع على الاتفاقية العسكرية والأمنية في شباط 1996م- شوال 1416هـ قام الرئيس التركي سليمان دميرل Suleman Demirel، بأول زيارة لرئيس دولة تركي، إلى إسرائيل، وبصحبته وفد يضم 200 عضو، وذلك في 11 آذار1996 م –21 شوال1416هـ. وقد ناقش الوفد التركي مع الجانب الإسرائيلي مجالات التعاون بين البلدين، وبخاصة التعاون العسكري بينهما (22) . كما قامت تركيا بزيادة عدد الملحقين العسكريين الأتراك في سفارتها في إسرائيل من واحد إلى ثلاثة (23) .
واستمرت العلاقات العسكرية الإسرائيلية – التركية بالتطور حتى في ظل ازدياد النفوذ الإسلامي في تركيا: اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، وبخاصة بعد تسلم نجم الدين اربكان Necmettin Erbakan، رئاسة الحكومة في الفترة من حزيران 1996م - محرم 1417هـ إلى حزيران 1997م – محرم 1418هـ وكان اربكان زعيم حزب الرفاه من المعادين لإسرائيل والغرب، ومن دعاة التقارب مع العالم الإسلامي، لكن التيارات السياسية العلمانية
بعامة، وقيادة الجيش بخاصة، قد مارست عليه شتى أنواع الضغوط السياسية والإعلامية والعسكرية، مع العلم بأن العلاقات الخارجية مع إسرائيل كانت تدار من قبل جنرالات الجيش التركي، مما أجبر اربكان على تغيير مواقفه من إسرائيل، وأخذ يبرر التعاون العسكري بين الدولتين بأنه في مصلحة تركيا (24) . ومن الأمثلة التي توضح دور الجيش في العلاقات مع إسرائيل أن إسماعيل حقي كردائي Ismael Kardai قام بزيارة إسرائيل في شهر شباط 1997م –رمضان، 1417هـ، وبرفقته 13 صحفياً، دون إبلاغ اربكان بها، وبرر ذلك بأنه ليست هناك حاجة للحصول على موافقته (25) . ومن الأمثلة التي تبين تغير موقف اربكان من إسرائيل انه اجبر على استقبال دافيد ليفي David Lavy وزير الخارجية الإسرائيلية في أنقرة خلال شهر شباط 1997م – رمضان 1417هـ وقابلة دون أن يتحدث معه عن العلاقات العسكرية بين البلدين (26) .
لقد اعتبرت المؤسسة العسكرية، النشاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يقوم بها أنصار التيار الإسلامي تهديداً للعلمانية في تركيا لذلك برروا سياستهم إزاء نجم الدين اربكان بانها وفق الدستور الذي منحهم دورا سياسياً فهذا سيفيل باير Cevik Bir، نائب رئيس هيئة الاركان والمتحدث باسم الجيش التركي يقول عن ذلك الأمر " بأننا نتصرف وفق الدستور التركي بشكل صارم حيث يشير البند الثاني أننا دولة علمانية، ويشير البند الرابع أن هذا النص لا يمكن تغييره، ولقد أعطانا البرلمان مسؤولية حماية الأراضي التركية وحماية الجمهورية التركية. في الولايات المتحدة وبريطانية ليست من مهمة الجيش الدفاع عن النظام السياسي، أما في تركيا فان هذه المهمة معطاة لنا من قبل القانون ". ولذلك فأن قادة الجيش قد أرغموا اربكان على الاستقالة من منصبه في 18حزيران 1997م –12صفر 1418هـ (27) . وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات العسكرية التركية مع إسرائيل قد منحت قادة الجيش التركي قوة دفع، ووسائل مناسبة للتصدي لمختلف النشاطات الإسلامية في تركيا، كما وفرت لهم المعلومات المناسبة عن الارتباطات الخارجية لتلك النشاطات (28) .