أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة التي دلت على وجوب صلاة العيد في الجملة ( [98] ) ، وقالوا بأنها باقية على عمومها لعدم وجود دليل يخص أو يستثني بعض المسلمين دون بعض، وقد سبق مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منها.
الترجيح:
بعد النظر في هذه المسألة والاطلاع على الأقوال الواردة فيها ومعرفة أدلة هذه الأقوال ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة من هذه الأدلة تبين لي أن القول الراجح هو القول الأول وهو أن صلاة العيد فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الجميع وإن لم يقم بها من يكفي أثم الجميع.
وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولعدم استقامة أدلة الأقوال الأخرى، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث: في الجنائز
المبحث الأول: حكم زيارة قبور المشركين
عندما يوجد المغترب في بلاد الكفار فإن أغلب القبور التي تكون موجودة فيها تكون قبور كفار، وقد يرغب المسلم المغترب في زيارتها أو قد يضطر لزيارتها إما مجاملة لزميل له أو نحو ذلك، فهل يجوز له زيارة قبور المشركين أم لا يجوز له ذلك؟
اتفق جمهور الفقهاء ( [99] ) على أنه يجوز للمسلم أن يزور قبور الكافرين والمشركين وذلك لأنه يتحصل له من هذه الزيارة تذكر الموت والدار الآخرة والتي علل بها المصطفى- صلى الله عليه وسلم -الإذن العام بزيارة القبور، دون تفريق بين قبور المسلمين وقبور الكافرين.
استدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: " زار النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " ( [100] ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه وتعالى أذن للنبي- صلى الله عليه وسلم -أن يزور قبر أمه وهي مشركة مما يدل على جواز زيارة قبور المشركين.
قال ابن تيمية: ولهذا تجوز زيارة قبورالمشركين لهذه العلة كما ثبت في الصحيحين عن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -أنه زار قبر أمه ( [101] ) .
وقال النووي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى ( [102] ) .
الدليل الثاني:
عن بريدة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم -: " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الاسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً " ( [103] ) .
وجه الدلالة: عموم قول النَّبِي- صلى الله عليه وسلم -: " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، حيث كان النهي عن زيارة القبور عاماً سواء كانت قبور مسلمين أو قبور كفار، فجاء الإذن بزيارتها عام أيضاً فيشمل قبور المسلمين وقبور الكفار أيضاً.
المبحث الثاني: حكم الدفن في التابوت
هناك بعض البلاد غير الإسلامية تشترط وضع جثمان الميت مهما كان في تابوت. سواء كان هذا الميت مسلماً أو غير مسلم. وقد يموت في هذه البلاد أحد من المسلمين الذين يعيشون فيها، فهل يجوز أن يضع المسلم قريبه المتوفى في تابوت إذا اشترطت سلطات البلد الذي يوجد فيه وضعه في هذا التابوت أم لا يصح منه ذلك؟
اتفق جمهور الفقهاء ( [104] ) من الحنفية ( [105] ) ، والمالكية ( [106] ) ، والشافعية ( [107] ) ، والحنابلة ( [108] ) على أنه ينبغي أن يكفن الميت ويوضع في قبره بدون تابوت حيث يكره وضع الميت في تابوت إلا عند الحاجة إلى ذلك كأن تكون الأرض ندية أو رخوة لا تتماسك حتى يوضع فيها الميت، أو كانت أرضاً مسبعة تكثر فيها السباع التي تعتدي على الأموات بنبش قبورهم وأكلهم أو أن تكون سلطات البلد الذي يقيم فيه المغترب تلزم بوضع جثمان الميت في تابوت ثم دفنه فيه كما هو حال بعض الدول الأوربية، أو نحو ذلك، فإنه لا يكره في هذه الحالة وضع الميت في تابوت للحاجة إلى ذلك.