المبحث الثالث: حكم الخطبة بغير العربية
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها لا تصح بغير العربية لغير الحاجة، وتصح للحاجة.
وهذا قول عند الشافعية ( [58] ) ، ومذهب الحنابلة ( [59] ) ، وقول الصاحبين من الحنفية ( [60] ) ، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية ( [61] ) .
القول الثاني: أنه تشترط الخطبة بالعربية ولا تصح بغيرها.
وهذا مذهب المالكية ( [62] ) ، والشافعية ( [63] ) ، والرواية الصحيحة عند الحنابلة ( [64] ) .
القول الثالث: أنه يستحب الخطبة بالعربية ويصح بغيرها.
وهذا قول أبي حنيفة وهو المعتمد عند الحنفية ( [65] ) ، وقول عند الشافعية ( [66] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [67] ) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
أن الخطبة لا تكون إلاَّ بالعربية لمن يفهمها ويعرفها ويحصل الفائدة المرجوة منها ولكن إذا كان المستمعون لها لا يفهمونها ولا يعرفونها ولا يحصلون الفائدة المرجوة منها إذا كانت بالعربية فإنه يجوز أن تكون بلسانهم الذي يعرفونه لا بالعربية، وذلك لأن المقصود من الخطبة الوعظ والإرشاد والتوجيه وهذا يأتي لمن لم يفهم الخطبة لكونها ألقيت بغير لسانه ولغته.
الدليل الثاني:
أن الخطبة بالعربية ليست مقصودة لذاتها حتى يمكن أن يقال بعدم صحتها بغيرها حتى ولو لم يفهمها الناس المستمعون بل هي مقصودة لما فيها من تعليم وتوجيه وإرشاد للمستمعين لها وهذا لا يحصل لمن لم يفهمها ويعرفها لكونها ألقيت بغير لغته التي يفهمها.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
عن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم -رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أوقد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم ومروهم، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " ( [68] ) .
وجه الدلالة: أن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -أمر في هذا الحديث بأن يصلي المسلم كما رأي النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -يصلي ويقتدي به في أحواله كلها وخاصة الصلاة، وخطبة الجمعة جزء من الصلاة التي ينبغي أن يقتدي المسلم فيها بالنبي- صلى الله عليه وسلم -، وبما أن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -كان يخطب الجمعة بالعربية فإنه ينبغي ألا تخطب الجمعة إلاَّ بالعربية ولا تصح بغيرها، اقتداء بالنبي- صلى الله عليه وسلم -.
يناقش: أن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -إنما كان يخطب بالعربية لأنه عربي ويخطب بقوم عرب فلا حاجة للخطبة بغيرها، وهذا ما نقول به عند عدم الحاجة للخطبة بغيرها، وأما حينما يكون هناك حاجة للخطبة بغيرها كأن يكون الذين تلقى عليهم الخطبة غير عرب ولا يفهمون العربية فإنه يصح أن يخطب بهم بلغتهم من أجل تحصيل المقصود من الخطبة وهو الوعظ والإرشاد والنصح، مما لا يتحصل لوقلنا بوجوب الخطبة بالعربية لهم.
الدليل الثاني:
أننا نقول بوجوب الخطبة باللغة العربية لاتباع السلف والخلف حيث لم يعهد منهم الخطبة بغير العربية ( [69] ) .
يناقش: أن السلف والخلف الذين ذكرتم إنما كانوا يخطبون باللغة العربية لأنهم كانوا يخطبون بأناس يعرفون العربية، وهذا مما لا شك فيه أنه ينبغي الخطبة في مثل هذه الحالة باللغة العربية لعدم الحاجة للخطبة بغيرها.
الدليل الثالث:
أن الخطبة ذكر مفروض فيشترط فيها أن تكون باللغة العربية كتكبيرة الإحرام والتشهد ونحوها ( [70] ) .
يناقش: أنه لا يسلم لكم أنه يلزم أن تكون جميع الأذكار المفروضة باللغة العربية لأنه يلزم من هذا القول إثبات فرضية تعلم العربية على جميع المسلمين وهذا قول مرجوح لقول اللَّه تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فيالدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ ( [71] ) .