نوقش: أن هذا العدد الذي بقي مع النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -وقع اتفاقاً ولم يكن قصداً، فربما يبقى أكثر، وربما يبقى أقل، فلا يكون فيه دليل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة اثنا عشر رجلاً ( [47] ) .
الدليل الثاني: أن مصعب بن عمير حين بعثه النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -إلى المدينة جمع بهم وهم اثنا عشر رجلاً ( [48] ) .
نوقش من وجهين:
الأول: أن هذا لا يصح إسناده فلا يصح الاستدلال به ( [49] ) .
الوجه الثاني: أنه لو صح فإنه لا يكون فيه دليلاً على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة اثنا عشر؛ لأنا نقول أن هذا العدد وقع اتفاقاً لا قصداً. فربما لو اجتمع أقل من ذلك لجمع بهم مما يدل على أن هذا لا يدل على أن أقل عدد تقام به الجمعة اثنا عشر ( [50] ) .
أدلة القول الخامس:
الدليل الأول:
قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللَّه وذروا البيع ... ﴾ الآية ( [51] ) .
وجه الدلالة: أن ما ذكر في الآية يقتضي منادياً وذاكراً وهو المؤذن والإمام والاثنان يسعون لأن قوله: "فاسعوا" لا يتناول إلا المثنى، ثم مادون الثلاث ليس بجمع متفق عليه فإن أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع، فالمثنى وإن كان فيه معنى الجمع من وجه فليس بجمع مطلق واشتراط الجماعة ثابت مطلقاً ( [52] ) .
يناقش: أن الخطاب في الآية لعموم المؤمنين بوجوب إقامة صلاة الجمعة إذا نودي لها. وأقل ما تتجه له صيغة الخطاب في الآية هم الثلاثة لأنهم أقل الجمع فتنعقد الجمعة بثلاثة لأنهم أقل الجمع.
الدليل الثاني:
عن أم عبد اللَّه الدوسية قالت: قال رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم -: " الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلاَّ أربعة " ( [53] ) .
وجه الدلالة: أن هذا الحديث أثبت أن الجمعة تقام في القرية وإن لم يكن فيها إلاَّ أربعة، وهذا يدل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة هو أربعة وأن ما كان أقل من ذلك فإنه لا تنعقد به الجمعة.
يناقش: أن هذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به لأن فيه معاوية بن يحيى ومعاوية بن سعيد وهما مجهولان ( [54] ) .
الدليل الثالث:
أن الأربعة عدد يزيد على أقل الجمع المطلق أشبه الأربعين ( [55] ) .
يناقش: أن الجمعة يكفي فيها أقل الجمع وهو ثلاثة لأنه تنعقد به الجماعة ولا داعي للزيادة عليه طالما أنه يكفي، فتنعقد الجمعة به. ثم إنه لا داعي لأن يكون العدد يشبه الاربعين حتى تنعقد به الجمعة لأنه لم يثبت أن الجمعة لا تنعقد إلاَّ بالأربعين.
دليل القول السادس:
" إن الاثنين جماعة فيحصل الاجتماع، ومن المعلوم أن صلاة الجماعة في غير الجمعة تنعقد باثنين بالاتفاق، والجمعة كسائر الصلوات فمن ادعى خروجها عن بقية الصلوات، وأن جماعتها لابد فيها من ثلاثة فعليه الدليل" ( [56] ) .
نوقش: أنه لابد في صلاة الجمعة من جماعة تستمع الخطبة من الخطيب وأقلها اثنان والخطيب هو الثالث: فيتبين أنه لابد في صلاة الجمعة من ثلاثة خطيب ومستمعان وأن الاثنين لا يكفيان؛ لأن أحدهما يكون خطيباً والآخر يكون مستمعاً ( [57] ) .
الترجيح:
بعد الاطلاع على هذه المسألة والنظر في الأقوال الواردة فيها ومعرفة أدلة هذه الأقوال، ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة من هذه الأدلة تبين لي - واللَّه أعلم بالصواب- أن القول الراجح هو القول الأول وهو أن الجمعة تنعقد بثلاثة رجال فإذا وجد ثلاثة رجال من أهل الجمعة صحت إقامة صلاة الجمعة في المكان الذي يقيمون به. وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولعدم سلامة أدلة الأقوال الأخرى من المناقشة؛ ولأن هذا العدد أقل الجمع الذي يمكن أن يحصل به اجتماع، خاصة حينما يتقدم الإمام للخطبة والصلاة فيكون خلفه اثنان وبالتالي تكتمل الجماعة ويحصل الاجتماع، واللَّه أعلم.