تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجه الدلالة: أن عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه لم ينكر على من صلى الجمعة خلف إمام الفتنة، مع أن هذا الإمام صلى بدون إذن الإمام الأعظم وهو عثمان ابن عفان، مما يدل على عدم وجوب إذن الإمام في إقامة الجمعة.

الدليل الثاني:

أن علياً صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد وصوب ذلك عثمان وأمر بالصلاة معهم ( [9] ) .

وجه الدلالة: أن صلاة علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه الجمعة بالناس وعثمان رضي اللَّه عنه محصور دليل على جواز صلاة الجمعة بدون إذن الإمام.

الدليل الثالث:

أن صلاة الجمعة من فرائض الأعيان فلم يشترط لها إذن الإمام كالظهر ( [10] ) .

الدليل الرابع:

أن صلاة الجمعة صلاة تشبه سائر الصلوات فتكون مثلها في عدم اشتراط إذن الإمام فيها ( [11] ) .

دليل القول الثاني:

أنه لا يقيم صلاة الجمعة إلا الأئمة في كل عصر فصار ذلك إجماعاً على عدم جواز إقامتها بدون إذن الإمام ( [12] ) .

نوقش: أن ما ذكرتموه من الإجماع لا يصح لأن الناس يقيمون الجُمُعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعاً على جواز ما وقع لا على تحريم غيره. كالحج يتولاه الأئمة وليس بشرط فيه ( [13] ) .

أما القول الثالث فلم أجد له أدلة خاصة به.

الترجيح:

بعد النظر في هذه المسألة ومعرفة الأقوال الواردة فيها والاطلاع على أدلتها ومناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منها تبين لي - واللَّه أعلم بالصواب - أن القول الراجح هو القول الأول وهو أنه لا يشترط إذن الإمام في صحة إقامة صلاة الجمعة. وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة ولضعف دليل القول الثاني وعدم سلامته من المناقشة. ولتعذر إمكانيته خاصة على أولئك المغتربين من المسلمين الذين يقيمون في بلاد الكفار، فلا يمكنهم الحصول على إذن إمام البلد الذي يقيمون فيه، ولو استطاعوا الحصول على إذنه فإنه يستطيع منعهم إقامتها برجوعه عن إذنه فيها في أي وقت، وبالتالي يُحرم المسلمون المقيمون في تلك البلاد من إقامة الجمعةإلا بإذن إمام البلد الكافر وهذا بعيد لأن فيه جعل سبيل للكافرين على المسلمين، واللَّه لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً. قال تعالى: ﴿ولن يجعل اللَّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ ( [14] ) .

المبحث الثاني: العدد الذي تقام فيه الجمعة

قد يوجد بعض المسلمين في بلد من بلاد الكفار ويرغبون في إقامة صلاة الجمعة ولكنهم عدد قليل، فهل يصح منهم إقامة صلاة الجمعة بالعدد القليل وما هو أقل عدد يمكن أن تقام فيه صلاة الجمعة.

اختلف أهل العلم في العدد الذي تقام فيه الجمعة على أقوال كثيرة، أهمها:

القول الأول: أنها تنعقد بثلاثة رجال.

وهذا القول رواية عند الحنابلة ( [15] ) ، وقول أبي يوسف من الحنفية ( [16] ) ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ( [17] ) .

القول الثاني: أنها تنعقد بأربعين رجلاً.

وهذا مذهب الشافعية ( [18] ) ، والرواية المشهورة عند الحنابلة ( [19] ) .

القول الثالث: أنها تنعقد بخمسين رجلاً.

وهذا رواية عند الحنابلة ( [20] ) .

القول الرابع: أنها تنعقد باثني عشر رجلاً.

وهذا القول مذهب المالكية ( [21] ) .

القول الخامس: أنها تنعقد بأربعة.

وهذا مذهب الحنفية ( [22] ) ، ورواية عند الحنابلة ( [23] ) .

القول السادس: أنها تنعقد باثنين فما فوق.

وهذا مذهب ابن حزم ( [24] ) .

الأدلة:

أدلة القول الأول:

الدليل الأول: عن أبي الدرداء رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم -يقول: " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" ( [25] ) .

وجه الدلالة: أن الصلاة في هذا الحديث عامة تشمل الجمعة وغيرها، فإذا كانوا ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة ومنها صلاة الجمعة فإن الشيطان قد استحوذ عليهم. وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة، ولا يمكن أن يقال: أنها تجب على الثلاثة، ثم يقال: إنها لا تصح من الثلاثة، لأن إيجابها عليهم ثم قولنا إنها غير صحيحة تضاد معناه: أمرناهم بشيء باطل والأمر بالشيء الباطل حرام ( [26] ) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢١٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢١٢٤