وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك ( [95] ) .
واجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل والأحداث كان يتبعه اختلاف أو اتفاق فالاختلاف في الرأي نتيجة حتمية للاجتهاد واختلاف الصحابة - رضوان الله عليهم - في الاجتهاد يرجع إلى أسباب وهذه الأسباب قد أشار إليها الدكتور عبد الكريم زيدان فقال: ((يرجع اختلاف الفقهاء في هذا العصر إلى جملة أسباب نذكر منها ما يلي:
أولاً: اختلافهم بسبب علم البعض بالسنة وعدم علم البعض الآخر.
ثانياً: اختلافهم بسبب عدم وثوقهم بالسنة فقد يجهل أحدهم السنة فإذا رويت له ربما لا يطمئن بروايتها ولا يثق براويها لأي سبب كان فلا يأخذ بها فمن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يثق بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حيث قالت إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرض لها نفقة ولا سكنى لما طلقها زوجها بائناً.
ثالثاً: اختلافهم بسبب اختلافهم في فهم النصوص فمن ذلك اختلافهم في العدة هل هي ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات ومرد اختلافهم إلى المقصود بكلمة القرء.
رابعاً: اختلافهم بسبب الاجتهاد فيما لا نص فيه)) ( [96] ) .
واجتهادهم في ذلك العصر كان يقوم على أساس واقعي فقد اقتصر اجتهادهم على الحوادث التي وقعت فعلاً فلا اجتهاد عندهم على الوقائع الافتراضية.
وبهذا استطاع الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يسايروا ذلك العصر الذي كانوا فيه وأن يجتهدوا في الوقائع التي وقعت لهم وأن يستنبطوا لها الأحكام فكان فعلهم هذا إثراء للفقه الإسلامي وسنذكر بعض الأمثلة على فقههم وآرائهم الاجتهادية - رضوان الله عليهم أجمعين -
الأمثلة:
1 - أخرج مسلم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليه ( [97] ) .
فهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه إنما أراد به زجر الناس عن هذا فإن الناس في زمانه كثر منهم إيقاعهم الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد وهذا خلاف المشروع فأراد عمر زجرهم عن هذا فإن الناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ما كانوا يكثرون من إيقاع الطلاق على هذا النحو بل كان ذلك نادراً عندهم أما في زمن عمر فقد كثر ذلك فأوقع عمر عليهم ما أرادوا فجعل الثلاث ثلاثاً.
2 - أخرج البخاري بسنده عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: جاء أعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عما يلتقطه فقال: ((عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها. فإن جاء أحد يخبرك بها إلا فاستنفقها. قال: يا رسول الله فضالة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب. قال ضالة الإبل؟ فتمعر وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر)) ( [98] ) .
فهذا الحديث صريح في النهي عن التقاط ضالة الإبل وهذا الحكم هو الذي عليه العمل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لكن لما جاء عثمان رضي الله عنه رأى من المصلحة أن تباع الإبل ثم إذا جاء صاحبها أعطي ثمنها وإنما فعل عثمان رضي الله عنه هذا خوفاً من أن تمتد يد غير أمينة إلى هذه الإبل فتأخذها وذلك لتغير الناس عما كانوا عليه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الصديق والفاروق رضي الله عنهما فكان فعله هذا من باب المصلحة لحفظ أموال الناس.
أخرج مالك بسنده عن ابن شهاب قال كانت ضوال الإبل في زمان عمر ابن الخطاب إبلاً مؤبله تناتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها ( [99] ) .
3 - أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن غلاماً قُتل غيلة فقال عمر لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم ( [100] ) .