3 - أخرج أبو داود بسنده عن حميد بن هلال قال: أوخي بين سلمان وأبي الدرداء. فسكن أبو الدرداء الشام وسكن سلمان الكوفة. فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: سلام عليك أما بعد: فإن الله قد رزقني بعدك مالاً وولداً وأنزلت الأرض المقدسة. قال: فكتب سلمان إليه: سلام عليك أما بعد فإنك كتبت إلي أن الله رزقك بعدي مالاً وولداً. وإن الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن الخير أن يعظم حلمك. وأن ينفعك علمك. وكتبت إلي أنك نزلت الأرض المقدسة. وأن الأرض لا تعمل لأحد. فاعمل كأنك تُرى واعدد نفسك في الموتى ( [64] ) .
4 - أخرج أبو داود بسنده عن ابن سيرين قال: لما بعث عمر حذيفة إلى المدائن ركبوا إليه ليتلقوه. فتلقوه على بغل تحته إكاف، وهو معترض عليه رجليه من جانب واحد، فلم يعرفوه، فأجازوه فلقيهم الناس، فقالوا: أين الأمير؟ قالوا هو الذي لقيتم، فركضوا في أثره. فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عِرق وهو يأكل، فسلموا عليه. قال: فنظر إلى عظيم منهم فناوله العرق والرغيف قال فلما غفل حذيفة ألقاه أو قال أعطاه خادمه ( [65] ) .
5 - أخرج أبو داود بسنده عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليقسم في المجلس الواحد ثلاثين ألف درهم، ثم يأتي عليه الشهر ما يأكل مزعة لحم. قال: قلت فهل كان ياكل اللحم شهراً؟ قال: إذا صام أو سافر فإنه كان أكثر طعامه ( [66] ) .
المبحث الخامس: حرصهم على العلم ومسارعتهم إليه
الإسلام دين العلم والمعرفة. ولقد حثّ أمته على طلب العلم وإعمال الفكر والعقل والبحث والتفكير في كل ميدان من ميادين العلم، وكل مجال من مجالات الحياة. وما ذلك إلا لأن العلم روح الحياة، وأساس النهضات وعماد الحضارات، ووسيلة التقدم والرقي للأفراد والجماعات، والإسلام دين الحياة الصالح لكل زمان ومكان هو دين ودنيا، عبادة وحياة، دين جامع يربط الإنسان بالعبادة والقيم والأخلاق، دين يتغلغل في صميم الحياة ويضع الأسس والقواعد التي تكفل السعادة للبشر على ظهر هذه الأرض والشريعة الإسلامية قائمة على العلم والدعوة إليه ومعجزة الرحمة المهداة - صلى الله عليه وسلم - كانت كتاباً يتلألأ بالعلم الصحيح والمعرفة الحقة. وأول آية نزلت من هذا الكتاب المبارك نزلت تدعو للعلم وتعظم شأن المعرفة قال تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم﴾ ( [67] ) . ولما كان العلم يسمو بالإنسان ويرفع قدره فقد أمر الله سبحانه الملائكة بالسجود لآدم لما فضله به عليهم من العلم. ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - كان قدوة الداعين إلى العلم بأقواله وأفعاله وطلب من أمته طلب العلم والسعي لبلوغ ذلك، وبين لهم الجزاء المنتظر لمن طلب العلم وسعى إليه.
أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)) ( [68] ) ولقد كان لعناية المعلم الأول صلوات الله وسلامه عليه الأثر الكبير في صحابته
- رضوان الله عليهم - وسعيهم لطلب العلم وحرصهم عليه مع العمل بما قد تعلموا، وعظم أمر العلم عندهم وارتفعت درجة العلماء بين صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصبح العلم هو المجال الرحب الذي يتنافسون فيه ويبادرون إليه فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول اغدو عالماً أو متعلماً ولا تغدوا إمعة بين ذلك ( [69] ) .
ولقد رحل الصحابة - رضوان الله عليهم - في طلب العلم ونشره وخرجوا إلى الشام ومصر والكوفة والبصرة يعلمون الناس فهم - رضوان الله عليهم - حفظة القرآن الذين نقلوه إلينا غضّاً طرياً كما أنزل وهم أوعية السنة النبوية المباركة فقد حفظوها ونقلُولها للناس كما سمعوها من الرحمة المهداة صلوات الله وسلامه عليه. ولقد كانوا يطبقون ما يتعلمون من العلم في واقع حياتهم اليومية فتعلموا العلم والعمل معاً، وكانوا أسوة وقدوة لمن جاء بعدهم، ولقد ضربوا لمن جاء بعدهم أروع الأمثلة في الحرص على العلم والسعي إليه والعمل به - رضوان الله عليهم أجمعين -