5 وإذا كان الروح القدس الإله في عقيدتهم، له كل هذه الأفعال والأعمال، فما هي فائدة وجود إله ثان هو المسيح، وما هو أثره في حياتهم؟ أليس من الواجب على النصارى حينئذ أن يتوجهوا في دعائهم إلى الروح القدس بدلاً من المسيح الذي على زعمهم: ((صعد إلى السموات وجلس عن يمين الأب)) (216) ، والذي على زعمهم أيضاً: ((يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء)) (217) ، وزعمهم هذا يخالف صريح المعقول، وصحيح المنقول، فالمسيح عليه السلام أمرهم أن يتوجهوا في صلاتهم إلى الله وحده الذي له الملك والقوة والمجد إلى الأبد، قال عليه السلام: ((فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفانا اعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين)) (218) .
ثم قال لهم المسيح: ((فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم)) (219) ، وفي الإنجيل: ((ونعلم أن الله لا يسمع للخطاة، ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع)) (220) ، وقال المسيح عليه السلام: ((ليس كل من يقول لي يارب يا رب يدخل ملكوات السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات)) (221) .
هذه النصوص وغيرها، تفيد أن المسيح عليه السلام كان يأمر تلاميذه بالتوجه إلى الله في الصلاة وطلب المغفرة؛ لأن الله لا يستجيب لأحد مالم يتقه ويفعل مشيئته، ولا أحد يدخل ملكوت السموات ما لم يفعل إرادة الله وحده.
ولو كان المسيح نفسه، أو الروح القدس، لهم شيء من هذه الصفات الإلهية، لكان المسيح أولى بها من الروح القدس، فكيف وأن المسيح نفسه يأمر تلاميذة وكل المؤمنين به أن يكون توجههم لله دون سواه، قال المسيح عليه السلام: ((لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد)) (222) ، وقال أيضاً: ((وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته، أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته)) (223) .
فالمسيح عليه السلام عبد الله ورسوله، وكذلك الروح القدس هو ملاك الله جبريل عليه السلام فهو رسول الله بالوحي للأنبياء، وبالنصر والتأييد لهم ولغيرهم من أولياء الله الصالحين، كما تبين لنا ذلك عند الحديث عن حقيقة الروح القدس.
6 كما أن في قولهم في قانون إيمانهم: إن الروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب حسب عقيدة الارثوذكس أو المنبثق من الأب والابن حسب عقيدة الكاثوليك والبروتستانت قولهم هذا فيه تناقض واضطراب، فكيف يكون الروح القدس رباً محيياً وهو منبثق من موجد الحياة وهو الله سبحانه وتعالى، أو منبثقاً من الآب والابن، والابن حسب زعمهم مولود من الآب، ومعلوم أن الابن متأخراً عن وجود الآب، وهذا يعني أن الانبثاق من الابن جاء متأخراً، فهل هذا الانبثاق جاء على مرحتلين هذا على فرض صحة معتقدهم الواقع أنهم لن يجيبوا على ذلك بأفضل مما جاء في قانون إيمانهم المقدس.
7 ثم إن الروح القدس المنبثق من الآب، أو من الآب والابن، والابن هو المسيح عندهم مولود من الآب، فهل الانبثاق والولادة شيء واحد أم يختلفان؟ ، وهم لن يقولوا إن المسيح مولود من الآب ولادة تناسلية من الله، ولا يعتقدون ذلك، بل سيقولون إن الولادة روحية، لأن المسيح حسب أعتقادهم هو الكلمة التي خرجت من الذات وهو الله فصارت الكلمة ابناً للذات، وصارت الذات أباً للكلمة، وصارت كلاً من الذات والكلمة أقنوماً قائماً بذاته، يدعى الأول الله الأب، ويدعى الثاني الله الابن (224) .