تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الرابع: الروح القدس والمسيح عند النصارى

علمنا فيما سبق حقيقة الروح في الكتاب والسنة وفي العهد القديم وفي العهد الجديد، وأنه ورد ذكرها فيها مضافة إلى الله، وإلى القدس، وبدون إضافة، وأنها قد تكون المراد منها الوحي الإلهي، أو القوة والثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، أو جبريل عليه السلام أو المسيح عليه السلام حسب مناسبة ورودها في التوراة والإنجيل والقرآن، التي تقدم ذكر شواهد منها للدلالة على ذلك.

وفي هذا المبحث سيكون الحديث إن شاء الله في الرد على اعتقاد النصارى أن الروح القدس غير جبريل عليه السلام وعلى اعتقادهم خصوصية حلول الروح القدس على المسيح وعلى المؤمنين من أتباعه وأنه يلهمهم، وبيان ذلك فيما يأتي:

المطلب الأول: جبريل والروح القدس:

يعتقد النصارى أن ملاك الله جبريل عليه السلام غير الروح القدس، ويستدلون على الفرق بينهما ببعض النصوص من كتابهم المقدس، التي تذكر ملاك الله جبريل أنه يأتي بالبشارة لمن يرسله الله إليهم، وأنهم بعد هذه البشارة يحل عليهم الروح القدس، وهذا هو دليلهم على الفرق بينهما.

واستناداً على هذا الفرق بينهما فإن جبريل في تعريفهم هو: ((ملاك ذي رتبة رفيعة، أرسل ليفسر رؤيا لدانيال، وبعث مرة في زيارة لنفس النبي ليعطيه فهماً، وليعلن له نبوة السبعين أسبوعاً، وقد أرسل إلى أورشليم ليحمل البشارة لزكريا في شأن ولادة يوحنا المعمدان، وأرسل أيضاً إلى الناصرة ليبشر العذراء مريم بأنها ستكون أماً للمسيح، وقد وصف جبرائيل نفسه بأنه واقف أمام الله)) (208) .

ومن النصوص التي ذكرت بشارة ملاك الله جبريل لمن أرسله الله إليهم، ثم حلول روح القدس عليهم، بشارة جبريل لزكريا بميلاد يوحنا وقوله له:

((ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس)) (209) ، وبشارة جبريل لمريم بميلاد المسيح وقوله لها: ((الروح القدس يحل عليك)) (210) ، وحينما قامت مريم بزيارة إليصابات زوجة زكريا وسلمت عليها: ((فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس)) (211) ، وكذلك زكريا: ((وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس)) (212) .

فهذه النصوص من أدلتهم على الفرق بين جبريل والروح القدس، ثم بعد حين من الزمن اعتقدوا ألوهيته وقالوا في قانون إيمانهم إنه: ((الرب المحيي المنبثق من الآب، المسجود له والممجد مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء)) (213) ، واستدلالهم بتلك النصوص مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، وبيان ذلك:

1 أن الروح القدس في عقيدتهم هو الإله الذي حبلت منه العذراء مريم ببشارة جبريل لها لتلد المسيح (الابن) ، فالأقنوم الثالث حل في بطن مريم لتلد الأقنوم الثاني (الابن) .

وهذا الاعتقاد ظاهر البطلان؛ إذ كيف يكون الروح القدس جبريل عليه السلام وهو أحد الملائكة المخلوقين من الله كما عرفنا حقيقته يبشر مريم الإنسان المخلوق، بحلول الإله الروح القدس عليها، لتلد الإله المسيح، فهذا يتنافى مع مقام الإله سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر، وهذا افتراء على الله، تعالى الله عن قولهم.

2 ثم على فرض صحة قولهم كيف يتجسد الإله الأعلى الأقنوم الثاني وهو المسيح، من الإله الأدنى الأقنوم الثالث وهو الروح القدس، في بطن الإنسان المخلوق مريم، وهذا أيضاً من الافتراء والقول على الله وعلى رسله وملائكته بغير علم.

3 كما أن الروح القدس الإله على زعمهم هو الذي حل في أناس مختارين لكتابة الوحي الإلهي، فكيف يكون الوحي الإلهي من الله الأب، إلى الله الروح القدس، ومن ثم إلى أناس مختارين؟ وهذا أيضاً من التناقض والافتراء.

4 كما أن في الإنجيل أن أبا يحيى امتلأ من الروح القدس: ((وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس)) (214) ، وكذلك أم يحيى حين زارتها مريم أم المسيح وسلمت عليها: ((فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس)) (215) ، فهل يعني هذا أن الروح القدس، وهو الإله حسب عقيدتهم حل أيضاً في هؤلاء؟ تعلى الله عن قولهم.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٣٧