ثم ذكر القرطبي شواهد من أناجيلهم، تدل على أن التأويل الذي ذهب إليه، هو الحق في بيان مراد المسيح من قوله لحوارييه عمدوا الناس باسم الآب والابن والروح القدس (139) .
ومن الشواهد من أناجيلهم التي ترد تأويلهم الباطل وتبطله، ما يأتي:
أولاً: إن ذكر الأب في الأناجيل معناه الله سبحانه وتعالى، يقول المسيح عليه السلام في إحدى وصاياه لتلاميذه: ((أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات)) (140) ، ويقول المسيح أيضاً: ((احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات)) (141) ، وغير ذلك الكثير من النصوص التي تشير إلى أن الله عز وجل يطلق عليه لفظ الأبوة (142) . وليس في هذا معنى الأبوة التناسلية أو المفهوم الذي يفهم منه أنه إذا أطلق على الله لفظ الأب أن يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك.
ثانياً: أن كلمة الابن وردت في عدة نصوص من الأناجيل مضافة إلى الله وبدون إضافة، ومن هذه النصوص، أن إبليس يقول للمسيح: ((إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً)) (143) ، وأنه قال له مرة أخرى: ((إن كنت ابن لله فاطرح نفسك إلى الأسفل)) (144) ، وفي الإنجيل أن المسيح سأل تلاميذه مرة قائلاً: ((من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟ فقالوا: قوم يوحنا المعمدان وآخرون، إيليا وآخرون، أرميا أو أحد من الأنبياء، قال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحي)) (145) ، وهناك الكثير من النصوص الإنجيلية التي تنسب المسيح أنه ابناً لله، ولكن هناك نصوص أخرى تبين أن هذه النسبة ليست خاصة بالمسيح، بل تلاميذ المسيح وكل المؤمنين هم أبناء الله، وهذا يدل على أن لفظة الابن في الأناجيل المراد بها رعاية الله وعنايته، وقربه من الناس، وحفظه ورحمته لهم، وليست صلة قرابة جسدية، ومن هذه النصوص قول المسيح: ((وصلوا للذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات)) (146) ، وأمرهم عليه السلام أن يقولوا في صلاتهم: ((أبانا الذي في السموات)) (147) ، وغير ذلك من النصوص (148) .
والمراد من هذه النصوص التي تطلق على المسيح عليه السلام وعلى تلاميذه وعلى المؤمنين أنهم أبناء الله على فرض صحتها المراد منها المجاز وليس الحقيقة.
ونظير هذا ما أخبر الله عز وجل في القرآن الكريم، أن اليهود والنصارى قالوا: ((نحن أبناء الله وأحباؤه)) (149) ، ((أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله قال لعبده
إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعو لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحضوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قال الله تعالى رداً عليهم: ((قل فلم يعذبكم بذنوبكم)) (150) ، أي لو كنتم كما تدعون أبناء الله وأحباؤه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟)) (150) .
ثالثاً: أما الرح القدس فإن النصارى يتأولون اعتقاد ألوهيته من عدة نصوص من العهد الجديد، ففي الإنجيل عن الحمل بعيسى عليه السلام أن أم المسيح: ((وجدت حبلى من الروح القدس)) (152) ، وفي الإنجيل أيضاً، أن مريم: ((حبل به فيها من الروح القدس)) (153) ، وفي الإنجيل أيضاً أن السيح قال لتلاميذه: ((فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس)) (154) ، وفي أعمل الرسل قول بطرس لحنانيا: ((يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس، أنت لم تكذب على الناس بل على الله)) (155) .