تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا التأويل الباطل الذي جاء به النصارى لنصوص التوراة بعد أكثر من ألفي سنة من نزولها على موسى عليه السلام، وعلى الأنبياء من بعده، لم يكن هذا التأويل معروفاً عند من نزلت عليهم، بل كانوا على علم أن الذي يأتيهم بالوحي ويتحدث إليهم هم ملائكة الله، وليس الله ذاته، وكذلك لم يكن هذا التأويل معروفاً عند اليهود وهم أهل التوراة الذين لم يفهموا منها سوى ما بلغهم به أنبياؤهم، بدليل ماسبق ذكره عند الحديث عن حقيقة الروح القدس عند اليهود في المطلب الأول من المبحث الأول.

وكذلك أناجيل النصارى التي تحدثت عن وجود الملائكة، وعددهم ووظائفهم، ورسالتهم، لم يأت فيها ذكر أنهم هم ذات الله، يقول المسيح عليه السلام: ((لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء)) (123) ، ويقول أيضاً: ((أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثنى عشر جيشاً من الملائكة)) (124) ، وجاء في الإنجيل: ((وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين، المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة)) (125) . ونصوص أخرى ذكرت أن ملاك الله بشر زكريا بميلاد يوحنا (يحيى عليه السلام) (126) ، وبشر مريم بميلاد المسيح عليه السلام (127) ، وعن السبعة من الملائكة ووظائفهم (128) ، وغير ذلك من النصوص، التي تدل على أن الملائكة خلق من خلق الله، وأنهم رسله إلى من يشاء من خلقه (129) .

وحسب تأويلهم للنصوص، يمكن القول إن تأويل المراد من الملائكة في هذه النصوص الآنفة الذكر هم ذات الله أيضاً، وإذا كان كذلك فهذا يدل على أنهم لا يفرقون بين الله وملائكتة، ولا بين الخالق والمخلوق.

المطلب الثاني: تأويل نصوص الإنجيل:

ومن أمثلة تأويل نصوص الإنجيل، ما جاء في خاتمة إنجيل متى: ((فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس)) (130) ، فزعموا أن تأويل المراد من هذا النص أنه يشير إلى الأقانيم الثلاثة، وأن كل أقنوم منها إلهٌ بذاته (131) .

لكن تأويلهم هذا من التأويل الباطل الذي ضلوا فيه عن الحق، إذ مراد المسيح على فرض صحته عنه خلاف المراد الذي يعتقده النصارى، وللعلماء في تأويل المراد من هذا النص عدة احتمالات: فإما أن يكون مراد المسيح

كما يقول الإمام ابن تيمية (132) أي: ((مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به، فيكون ذلك أمراً لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول)) (133) ، وإما أن يكون مراد المسيح كما يقول المهتدي نصر بن يحيى المتطبب (134) : ((إن كان صحيحا ً، فيحتمل أن يكون قد ذهب فيه بجميع هذه الألفاظ: أن يجتمع له بركة الله، وبركة نبيه المسيح، وبركة روح القدس، التي يؤيد بها الأنبياء والرسل، وأنتم إذا دعا أحدكم للآخر قال له: صلاة فلان القدس تكون معك، وإذا كان أحدكم عند أحد الآباء مثل جاثليق ومطران أو أسقف، وأراد أن يدعو له، يقول له: صلي علي، ومعنى الصلاة: الدعاء، واسم فلان النبي أو فلان الصالح الذي هو يعينك على أمورك، ويجوز أن يكون المسيح ذهب فيه إلى ما هو أعلم به، فكيف حكمتم بأنه ذهب إلى هذه الأسماء لما أضافها إلى الله تعالى، صارت إلهية، وجعلتم له أسماء، وهي: الأقانيم الثلاثة، وقد عبرتم في لغتكم أن الأقنوم: الشخص، فكيف استخرجتم ما أشركتموه بالباري تعالى ذكره عما تصفون بالتأويل الذي لا يصح)) (135) .

وإما أن يكون مراد المسيح كما يقول الإمام القرطبي (136) أي:

((عمدوهم على تركهم هذا القول، كما يقول القائل: كل على اسم الله، وامش على اسم الله، أي على بركة اسم الله، ولم يعين الآب والابن من هما؟ ولا المعنى المراد بهما؟ فلعله أراد بالآب هنا: الملك الذي نفخ في مريم أمه الروح، إذ نفخه سبب علوق أمه وحبلها به، وأراد بالابن: نفسه، إذ خلقه الله تعالى من نفخة الملك، فالنفخة له بمثابة النطفة في حق غيره، ثم لا يبعد أيضاً في التأويل إن صح عن عيسى عليه السلام أنه كان يطلق على الله لفظ الأب أن يكون مراده به: أنه ذو حفظ له، وذو رحمة وحنان عليه، وعلى عباده الصالحين، فهو لهم بمنزلة الأب الشفيق الرحيم، وهم له في القيام بحقوقه وعبادته بمنزلة الولد البار، ويحتمل أن يكون تجوز بإطلاق هذا اللفظ على الله تعالى، لأنه معلمه وهاديه ومرشده، كما يقال: المعلم أبو المتعلم، ومن هذا قوله تعالى في كتابنا: ((ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل)) (137) ، على أحد تأويلاته، ومن هذين التأويلين: يصح حل ما وقع في أناجيلهم من هذا اللفظ، بل هذان التأويلان ظاهران وسائغان فيها)) (138) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٢٩