تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاستدعى أريوس من منفاه سنة 327م، وعقد له مجمع صور سنة 334م، وألغى قرار الطرد (91) .

ويقال: إن أول امبراطور تعمد باسم الثالوث حسب عقيدة النصارى، هو الامبراطور ثيودوسيوس الكبير الذي رعى عقد مجمع القسطنطينية (92) ، وأنه وقادة الكنيسة تنفسوا الصعداء وشعروا كما شعر الامبراطور قسطنطين وقادة الكنيسة بعد قبول قانون الإيمان النيقوي في سنة 325م، بسرور وارتياح عظيمين؛ لأنهم ظنوا بأن مجمع نيقية استطاع أن يستأصل الهرطقة من جذورها، وأن يعيدوا الوحدة إلى الامبراطورية وإلى الكنيسة المهددتين بالانقسام والاضطراب (93) .

وعندما تقرر رسمياً إقرار الاعتقاد بألوهية الروح القدس في مجمع القسطنطينية سنة 381م، أصدر الامبراطور ثودوسيوس الكبير مرسوماً أعلن فيه: ((حسب تعليم الرسل وحق الإنجيل، يجب علينا أن نؤمن بلاهوت الأب والابن والروح القدس، المتساوي في السلطان، وكل من يخالف ذلك يجب عليه أن ينتظر منا العقوبات الصارمة التي تقتضي سلطتنا بإرشاد الحكمة السماوية أن نوقعها به، علاوة على دينونة الله العادل)) (94) .

ويستنتج زكي شنودة في آخر البحث الخامس الذي عقده للحديث عن المجامع: ((أن هذه المجامع كانت في بداية أمرها وسيلة للدفاع عن الإيمان المسيحي، ثم لم تلبث أن أصبحت بعد ذلك أداة في يد الامبراطور لتنفيذ أغراضه، مستغلاً في ذلك مطامع الأساقفة وطموحهم إلى الجاه والنفوذ والسلطان، وهكذا أصبحت المجامع أداة هدم بعد أن كانت أداة بناء، وقد فتحت الباب على مصراعيه للخصومة بين المسيحيين في البلاد المختلفة)) (95) .

ولكن استنتاجه هذا يرفضه سرده هو للأحداث، فإن المجامع من أول لحظة عقدت فيها وهي تحت سلطان الدولة، وشواهد ذلك من كلامه إذ يقول: ((وقد عقد في نيقية عاصمة بثينية بآسيا الصغرى في 20 مايو سنة325ميلادية بأمر الامبراطور قسطنطين الكبير وقد حضره بنفسه)) (96) ، ويقول: ((وعند افتتاح جلسات المجمع دخل الامبراطور قسطنطين وتصدر الاجتماع، ثم ألقى خطاباً حض فيه على فض المشاكل بالحكمة)) (97) ، وقال في مجمع القسطنطينية سنة 381 م: ((وقد عقد في مدينة القسطنطينية بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس الكبير)) (98) ، وقال في مجمع أفسس الأول سنة 431 م: ((وقد عقد في مدينة أفسس بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس)) (99) ، وقال في مجمع أفسس الثاني سنة 449 م: ((وقد عقد مجمع أفسس الثاني سنة 449 ميلادية بأمر الامبراطور تاؤدوسيوس)) (100) .

أما في مجمع خلقدونية سنة 451 م فلم يذكر اسم الامبراطور الذي أمر بانعقاده (101) ، فدلت هذه الشواهد على أن ما قاله زكي شنودة ليس مستقيماً؛ لأن المجامع كلها التي تعترف بها الكنيسة القبطية كانت بأمر الامبراطور، والمؤرخون السياسيون يقررون أن الأباطرة جميعاً استخدموا الدين سلاحاً لكسبهم السياسي، ولو كانت المجامع حقاً للدفاع عن الإيمان لما تركت الدين القويم الذي جاء به المسيح عليه السلام، ولما تركت أعمال الحواريين الذين كانوا على الدين الحق، التي لا يوجد شىء منها في قانون الإيمان المقدس عندهم، ولا في وقائع عمل المجامع خاصة فيما يتعلق بالعقيدة التي هي لب الإيمان (102) .

وبعد هذا العرض لمراحل إقراراعتقاد ألوهية الروح القدس عند النصارى نستنتج مايأتي:

1 إقرارهم في مجمع نيقية سنة 325 م، الإيمان بروح القدس، فقالوا: ((ونؤمن بالروح القدس)) دون أن يذكروا حقيقته والأعمال الموكولة إليه.

2 إقرارهم في مجمع القسطنطينية سنة 381 م، إضافة الاعتقاد بألوهية الروح القدس، مع إضافة بعض صفاته، فقالوا: ((ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء)) ، كما جاء عن أحد قديسيهم، وكذا في قاموس كتابهم المقدس تفصيلات أكثر وضوحاً عن صفات الروح القدس، والأعمال الموكولة إليه، كما سبق الإشارة إلى ذلك.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٢٥