تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنَّ بحثنا الموجز هذا على صغر حجمه قد استطاعَ أن يثبتَ مدى اتِّساع الأفقِ عند المُحَدِّثينَ، لا سيما في فنِّ الرِّوَاية القائم على التَّجربة الواقعيَّةِ، القائمة على الدِّقَّة في التَّحَمُّلِ والأداء، والبعيدة عن التَّعبيرات الأدبيَّة، والمقومات البلاغيَّةِ. . فهي أشبه بالعمليات الحِسابية التي لا تقبل غير الصَّواب. . وكيف انتقلت المادة العِلْميَّة للمُسْتَخْرَجات لتحتويها كتب المشيخات القائمة على نمطِ تتبعِ الأسانيد للرِّواية الواحدة، والتي تكثرُ مِنَ الرِّوَايات المُشاركَةِ لهذهِ الرِّواية، والتي أصبحت سِجِلاً أميناً وثائقياً للعديدِ مِنَ المصادر، وكيف أنَّ منهجها ينطوي على الذَّكاء المفرطِ، والقدرة العالية التي يتمتع بها المُصَنِّفُونَ لِمثل هذهِ المعاجم والمشيخاتِ التي تتميز بالدِّقَّة العجيبةِ ويسودها الانتظام في بيان الإسناد العالي وأقسامه المُختلفةِ. .

وفي الختام أسأل اللَّه الكريم أن أكون قد وفِّقتُ في عرضي الموجز (1) هذا عن نشأة المُسْتَخرجات وتطورِها، إلى لَفَت الانتباه إلى فنِّ الرِّواية عند المُسلمينَ، وبراعتهم فيهِ، ومنهجم العظيمِ في توثيق النُّصوصِ وضبطها، الذي تميَّزَ بالابداعِ والأصالةِ، وهو يُمثلُ جزءاً أساسياً مِن تُراثنا الخالدِ الذي تفتقر إليه معظم الحضارات المادِّية القديمة منها والحديثة. . وَمِنَ اللَّهِ التَّوفيقَ وعليهِ التُّكلان، وهو حَسبنا فيما نكتبُ ونقول، وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّم أجمعين.

... وكتبه أفقر العباد

موفق بن عبدِ اللَّهِ ...

المبحث الأوَّل: تعريف المُسْتَخْرَجات

قال الإمامُ العِراقيُّ:

واستخرجوا على الصَّحيحِ كَأبي

عَوَانةٍ ونحوهِ وَاجْتَنِب

عَزوكَ ألْفَاظ المتونِ

لَهُمَا إِذْ خَالفت لَفْظَاً ومعنى رُبَّمَا (2) .

المُسْتَخرجُ لغةً: اسم مفعولٍ مُشتقٌ مِنَ الفعلِ استخرج المزيد مِنَ الثُّلاثي خَرَجَ، والخُرُوج نقيض الدُّخولِ، وخارجُ كلَّ شيءٍ ظاهرهُ، والاستخراج كالاستنباط (3) ، واستَخْرَجْتُ الشَّيءَ مِنَ المَعْدَنِ خَلَّصْتُهُ مِنْ تُرَابِهِ (4) .

(1) إنَّ الإيجاز والاختصار ترجع أسبابه إلى ظروف النَّشر في المَجلات التي تشترط أن لا يزيد البحث على أرقام محدودةٍ مِنَ الصَّفحات، وهذا يذكرني بقول الإمام ياقوت الحموي رحمه اللَّهُ تعالى: ((ثُمَّ اعلم أنَّ المُختصرَ لكتابٍ كمن أقدمَ على خَلْقٍ سَوِيٍّ، فقطعَ أطرافهُ فتركهُ أسْلَ اليدينِ، أبترَ الرجلينِ، أصلَمَ الأذنَينِ، أو كَمَن سلب امرأةً حُلِيها فتركها عاطلاً، أو كالذي سَلبَ الكَمِيّ سلاحهُ فتركهُ أعزلَ راجلاً.)) معجم البلدان: 1/14.

(2) التبصرة والتذكرة: 1/56.

(3) انظر: لسان العرب:2/249، 250مادة (خرج) .

(4) المصباح المنير: 1/166، وانظر: تاج العروس: 2/28-30مادة (خرج) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٨