• • •
الخاتمة:
نسأل الله حسنها، وهي تشتمل على خلاصة البحث ونتائجه، وقد:
بينت فيها أن الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة قليلة وضعيفة، كما قال العلماء، لا تنهض للاحتجاج فكلها معلولة الأسانيد.
وأمثلها حديث عائشة، وقدرجح الحفاظ وقفه، ورأوا أن المرفوع منه منكر، ولم يصح مرفوعا، ولم يرفعه إلا زهير بن محمد عن هشام. وزهير ضعيف عند كثير من العلماء لا يحتج به، وخاصة في رواية الشاميين عنه.
قال العقيلي: ولا يصح في التسليمة الواحدة شيء. وقال ابن القيم: لم يثبت عنه ذلك - أي رسول الله ش - من وجه يثبت، وقد يتصور البعض فيما تقدم أن التسليمة الواحدة لا أصل لها، وهذا خطأ، فهي واردة عن رسول الله ش وعن سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم، ولكن التسليمة الثانية أرجح من حيث الدليلُ.
قال الإمام البيهقي: روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم سلموا تسليمة واحدة، وهو من الاختلاف المباح والاختصار على الجائز. وبالله التوفيق. السنن الكبرى: 2/ 255.
إن الأحاديث الواردة في التسليمتين رواها العدد الكثير من الصحابة عن رسول الله ش، وعمل بذلك أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو المذهب الراجح؛ لكثرة الأحاديث الواردة فيه؛ ولصحة بعضها وحسن بعضها، كما قدمنا في الدراسة حتى إن بعضهم أوجبها. فقد روى الطحاوي أن الحسن بن حي أوجب التسليمتين جميعا، وهي رواية عن أحمد بن حنبل. وبها قال بعض أصحاب مالك، ونقله ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر. انظر النيل: 2/ 333.
أما ثلاث تسليمات فلم ترد إلا في حديث ضعيف لا يعول عليه. أخرجه الدارقطني، وهو معلول بعلتين:
أ - الأولى: ضعف روح بن عطاء أحد رواته. قال فيه أحمد: منكر الحديث.
ب- والعلة الثانية: أن الحسن بن أبي الحسن لم يسمع من سمرة، كما قال ابن معين، وأيضاً تدليس الحسن.
هذا ما توصلت إليه من خلال البحث في هذا الموضوع. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهوامش والتعليقات
المُسْتَخْرَجات
نشأتها وتطورها
د. موفق بن عبد اللَّه بن عبدِ القادر
جامعة أمِّ القرى - مكة المكرمة
ملخص البحث
لقد أبرز هذا البحث الوجه الحضاري للمُحَدِّثين في مَجال توثيق النُّصوصِ وضبطها، مِن خلال الابداع في التَّصنيف، وَتطرَّقَ إلى نشاة المُسْتَخْرَجات وتطورها، ولفت الانتباه إلى فنِّ الرِّواية عند المُسلمين وبراعتهم فيهِ، والصِّلة بينَ المُسْتَخرجات الحديثيَّةِ وعلم معاجم الشُّيُوخ والمشيخات.. وأثبت أنَّ هذين اللَّونين مِنَ المُصَنَّفات تفتقرُ إليهِ معظم الحضارات الماديَّةِ القديمة منها والحديثة.
مقدمة:
الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
أمَّا بعد:
فلقد اعتنى المُحَدِّثونَ في رواية النُّصوصِ شفهية كانت أو كِتابية عنايةً واسعةً، واستخدموا في سبيلِ المحافظةِ على سلامتها أساليب عديدة، ووضعوا شروطاً وألفاظاً لصيغ التَّحمل والأداء تميزت بالدِّقَّةِ والموضوعيَّة، إضافةً إلى التَّحري الدَّقيق لمعرفة رواة السُّننِ والمسانيدِ، فلم يتركوا الفرصة لِمُنْتَحِلٍ أن يَدُسَ في السُّنَّةِ ما ليس منها، أو أن يَدَّعي أحدٌ في المُصَنَّفاتِ ما ليس منها. .
ولقد تفنن المُحَدِّثونَ في روايتِهم للنُّصوصِ واتَّبعوا أساليب عديدة في تأليفاتهم مِن أجل الوصولِ إلى أدقِّ النُّصوصِ للرِّواياتِ وأسلمها، وَمِن الوسائل التي اتَّبعوها لتوثيق النُّصوص وضبطها التأليف في فَنِّ المُستَخْرَجات. .
هذا وَإنَّ كافة المُعطيات المُتوفرة لدينا تشير إلى أنَّ هذا النَّوع مِنَ المُصَنَّفات قد نشأ وترعرعَ في بلدان الخِلافة الشَّرقيَّةِ، ولا غرو في ذلكَ، فأصحاب الصَّحيحين، والسُّنن الأربع هم مِن أهل تلك الدِّيار، وأوَّل مَن صَنَّفَ في المُسْتَخْرَجات هو أبو أحمدَ حُميدُ بن مَخْلَدِ بن قُتَيْبَةَ بن عبدِاللَّهِ الأزديُّ النَّسائيُّ، المعروف بابنِ زَنْجُويه، وهو لقبُ أبيهِ (ت251هـ) (1) ، صاحب كتاب ((الأموال)) ، قال الكَتَّانيُّ: وكتابه كالمُسْتَخْرَجِ على كتاب أبي عُبيدٍ، وقد شاركهُ في بعض شيوخهِ وزاد عليهِ زيادات (2) . . ونظرة سريعة إلى المُسْتَخْرَجات ومُصَنِّفيها تعطينا انطباعاً أنَّ هذا النَّوع مِنَ المُصَنَّفات يكاد أن يكون مَشْرِقيَّ المولِدِ والوفاة، ذلكَ أنَّ مَن صَنَّفَ في هذا النَّوع منَ الفنونِ مِن أهلِ المغربِ، وهما الإمامُ الحافظُ العَلاَّمةُ، شيخُ الأندلسِ، ومُسْنِدُها، أبو عبدِاللَّهِ محمدُ ابنُ عَبْدِالملكِ بن أيمن بن فَرَجٍ القُرْطُبِيُّ (ت330هـ) (3) ، قال الذَّهبيُّ: صَنَّفَ كتاباً في السُّننِ، خَرَّجَهُ على ((سُنن)) أبي داود (4) ، والإمامُ الحافظُ العَلاَّمةُ مُحَدِّثُ الأندلس، أبو محمدٍ، قاسمُ بن
(1) ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء: 12/19.
(2) الرسالة المستطرفة: 47، وقد طبع كتاب الأموال لأبي عُبيد القاسم بن سلاَّم (ت224هـ) ، بتحقيق محمد خليل هرَّاس، منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ودار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الثانية (1395هـ-1975م) . كما طبع كتاب الأموال لابن زنجويه بتحقيق الدكتور شاكر ذيب فياض، مطبوعات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى (1406هـ-1986م) .
(3) ترجمته ومصادرها في: سير أعلام النبلاء: 15/241.
(4) سير أعلام النبلاء: 15/242، وانظر: تاريخ علماء الأندلس: 2/50-51، الرِّسالة المستطرفة: 30.